أعمدة ومقالات

حين يتحول الجشع إلى عقيدة: من يحمي المواطن من جشع التجار؟

د. آدم عبدالرحمن آدم

يكتب

في الأزمات تُعرف المعادن الحقيقية للرجال، وتُختبر الضمائر قبل الأموال، لكن المؤسف أن بعض التجار في واقعنا أصبحوا يرون في معاناة الناس فرصة للربح، وفي حاجاتهم سوقاً مفتوحة للمزايدة والاحتكار. حتى بات المواطن البسيط يشعر أن الأسعار لا ترتفع بسبب ندرة السلع فحسب، بل بسبب جشع لا يعرف حدوداً ولا يراعي ظروفاً.
يقال على سبيل التندر المرير: “لو علم بعض التجار أن يوم القيامة غداً لرفعوا سعر السجادة!”، وهي عبارة ساخرة تحمل في طياتها حقيقة مؤلمة؛ فهناك من فقدوا البوصلة الأخلاقية، وأصبح همّهم الأول والأخير تعظيم الأرباح ولو على حساب قوت الفقراء وآلام المحتاجين.
إن التجارة في جوهرها رسالة قبل أن تكون مهنة، وأمانة قبل أن تكون وسيلة للكسب. وقد ارتبط التاجر الصادق عبر التاريخ بالقيم النبيلة من صدق وأمانة ورحمة، لكننا اليوم نواجه نماذج جعلت من الاحتكار والمضاربة ورفع الأسعار سلوكاً يومياً، دون اعتبار للظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها المواطن.
ولا تقع المسؤولية على التجار الجشعين وحدهم، فغياب الرقابة الحكومية الفاعلة يفتح الباب واسعاً أمام الفوضى الاقتصادية. فعندما تغيب المتابعة، وتضعف آليات ضبط الأسواق، وتختفي العقوبات الرادعة، يصبح المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة مختلة يدفع ثمنها من قوته وكرامته ومستقبل أسرته.
إن الأسواق لا تستقيم بالشعارات، وإنما بالقوانين العادلة والرقابة الصارمة والشفافية الكاملة. فالدولة مطالبة بحماية المواطن من الاستغلال، وملاحقة المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، ووضع سياسات اقتصادية تضمن استقرار الأسواق وتحفظ حقوق الجميع.
ويبقى السؤال الكبير: كيف يمكن لمجتمع أن ينهض بينما يتحول بعض أبنائه إلى تجار أزمات؟ وكيف يمكن للاقتصاد أن يتعافى إذا كانت معاناة الناس تُستثمر لتحقيق مكاسب شخصية؟
إن الأوطان تُبنى بالتكافل لا بالاستغلال، وبالرحمة لا بالجشع، وبالضمير الحي لا باللهاث خلف الأرباح. وحين يعود التاجر إلى أخلاق التجارة، وتعود الدولة إلى دورها الرقابي الحقيقي، عندها فقط يمكن أن تستعيد الأسواق توازنها، ويستعيد المواطن شيئاً من الطمأنينة التي افتقدها طويلاً.
فجشع التجار ليس مجرد مشكلة اقتصادية، بل أزمة أخلاقية واجتماعية تهدد قيم المجتمع قبل أن تهدد جيوب المواطنين، ولا سبيل لمواجهتها إلا بإرادة جماعية تجعل مصلحة الوطن والإنسان فوق كل اعتبار.
Adam0128855131@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة