أعمدة ومقالات

هل يدفع الشعب السوداني ثمن الحسابات الجيوسياسية؟

كتب/ أحمد عثمان محمد المبارك..

يشهد التعاطي الإقليمي والدولي مع الحرب السودانية تحولاً بنيوياً لافتاً، تمثّل في إعادة صياغة المملكة العربية السعودية لأولوياتها تجاه الأزمة. فبعد أن قادت الرياض بالشراكة مع واشنطن جهود الوساطة عبر منبر جدة لوقف الأعمال العدائية، برز مسار سعودي جديد يضع ملف أمن البحر الأحمر وتأمين السواحل والممرات البحرية في صدارة الاهتمامات، مقدّماً إياه على مسار الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار. هذا التموضع يمثل تغييراً جوهرياً في العقيدة الإقليمية للرياض، يستدعي قراءة دقيقة في دوافعه الجيوسياسية، وارتداداته المباشرة على المأساة الإنسانية ومسارات التسوية السياسية.

​ينطلق التحرك السعودي من رغبة حاسمة في حماية الشريان الاقتصادي والملاحي الذي يمثل ركيزة لمشاريع المملكة الساحلية ورؤيتها المستقبلية، فضلاً عن هاجس استراتيجي ملح يتمثل في قطع الطريق على تمدد نفوذ قوى دولية وإقليمية منافسة مثل روسيا وإيران في الموانئ السودانية. وقد دفع هذا الهاجس الرياض إلى انتهاج مقاربة برجماتية تقوم على تعزيز التنسيق الأمني والبحري المباشر مع سلطة الأمر الواقع في بورتسودان لضبط الشريط الساحلي، متجاوزة السعي السابق لهندسة اتفاق سلام شامل ومحايد يجمع كافة الأطراف المتقاتلة.

​أحدثت هذه المقاربة ارتدادات سياسية ودبلوماسية عميقة، إذ وسّعت مسافة التباين بين الرياض وواشنطن التي ترفض أي ترتيبات أمنية تُبنى تحت وطأة السلاح وتُكرّس الأمر الواقع، وتتمسك مع الاتحاد الأفريقي بأن وقف الحرب هو المدخل الحصري والوحيد لأي عملية سياسية. وقد أدى هذا التباين إلى فقدان منبر جدة فاعليته وتآكل دور السعودية كوسيط جامع ومقبول من جميع الأطراف، مما أفسح المجال لظهور مسارات ومحاور إقليمية منافسة، وأدخل الجهود الدبلوماسية الدولية في حالة جمود وتشتت سمحت لأطراف النزاع بالمناورة والمماطلة.

​تنعكس هذه المعادلة سلباً وبصورة بالغة القسوة على واقع الشعب السوداني؛ فحين يرى أحد أطراف الصراع أنه يحظى باعتراف أمني وترتيبات جيوسياسية من قوى إقليمية وازنة، تتراجع حوافزه لتقديم تنازلات أو القبول بهدن دائمة، مما يغذي رهان الحسم العسكري الميداني ويطيل أمد الحرب. كما أن حصر الاهتمام في حماية السواحل والممرات البحرية يعزل أقاليم السودان المشتعلة في دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان عن دائرة الاهتمام الدولي، ويحوّل الأزمة في نظر المجتمع الدولي من مأساة إنسانية لشعب يُباد ويُهجّر إلى مجرد مهدد أمني للملاحة، الأمر الذي يعطل مسارات الإغاثة وفتح الممرات الإنسانية، ويضاعف أعداد الضحايا ويكرّس شبح المجاعة والانهيار الشامل للدولة.

​إن استقرار البحر الأحمر لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة عبر ترتيبات أمنية مع دولة تعيش حرباً أهلية طاحنة، بل يظل مشروطاً بإنهاء النزاع في العمق السوداني واستعادة الاستقرار الداخلي عبر عملية سياسية شاملة تنهي نزيف الدم وتعيد بناء مؤسسات الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة