أعمدة ومقالات

سياسة الوهم


د. الأمين بلال مختار
*alaminmukhtar@hotmail.com
october/7/2026
ليست حرب كرامة، كما يزعمون، بل هي حرب أكاذيب. حربٌ يديرها تحالف الاستبداد والفساد، تحالف الجنرال عبد الفتاح البرهان وفلول الحركة الإسلامية “الكيزان”، تحالفٌ لا يملك مشروعاً لبناء وطن، بل يملك مصنعاً ضخماً لإنتاج الوهم وتسويقه للعوام.

إنهم يستغلون بساطة الناس ويتغذون على جهل السطحيين، يضخون فيهم أوهام النصر المبين كل صباح، بينما الواقع يكذبهم كل مساء. الواقع يقول: جوعٌ ينهش البطون، وفقرٌ يسحق الكرامة، وجيوشٌ متعددة وارتكازاتٌ متوحشة تحاصر المواطن الأعزل، تنهب ماله وتنتهك حرمته وتنسف تحركه وتهدد الكل.

وبكل أسف، في خضم هذا الخراب، تجد من لا همّ له إلا الهتاف بتفويض البرهان! تفويض الفاشل!

عن أي تفويض تتحدثون؟ أتُفوّضون من خان العهد وخان الثورة وخان دماء الشهداء؟

إن البرهان هو عنوان الفشل المستبد. فشل في صون الأمانة، وفشل في حماية العاصمة، وفشل في توحيد البندقية، وفشل حتى في توفير رغيف خبز لشعبه. انقلب على ثورة ديسمبر المجيدة، ثورة الحرية والسلام والعدالة، ووأد حلم الشباب في دولة مدنية، ليسيّر البلاد إلى هاوية الحرب الأهلية ليبقى على كرسيٍ يهتز من تحته.

والكيزان من خلفه، هم التجار الحقيقيون للحرب. يستغلون البرهان مطيةً للعودة، ويستغل البرهان جهل البسطاء وقوداً للاستمرار. يبيعون للشعب وهم الدولة وهم يهدمون آخر أعمدتها، ويبيعون له وهم الحسم العسكري وهم يدركون أن استمرار الحرب هو شرط بقائهم.

إن الأكاذيب والإشاعات لا تبني وطناً، ولن تعالج أزمة. الوطن لا يُبنى بالصفحات الممولة والانتصارات الوهمية على فيسبوك، بينما على الأرض نزوحٌ جديد، ومقبرةٌ جديدة، ومجاعةٌ جديدة.

أزمة السودان اليوم ليست أزمة تفويض، فالتفويضات المزورة لا تطعم جائعاً ولا تأوي نازحاً. أزمتنا الحقيقية هي أزمة مشروع وطني غائب، أزمة جيوش متعددة تتصارع على أشلاء الوطن، وأزمة عدالة غائبة تترك القاتل يفاوض على مستقبل ضحيته.

إن الشعب السوداني الأعزل، هذا الشعب العظيم الصابر، لا يحتاج إلى تفويض مستبدٍ جديد، بل يحتاج إلى وقفة حق: وقفٌ فوريٌ للحرب، ومحاسبةٌ عسيرةٌ لكل من خان الثورة، ولكل من تاجر بدماء السودانيين وأطال أمد الحرب طمعاً في السلطة.

سيكتب التاريخ أن هناك شعباً جاع وصبر، وهناك عناصر مسؤولة عن إشعال الحرب باعت الوهم وفشلت، وهناك سطحيون صفقوا للجلاد وهو يذبحهم، وفوضوا الفاشل وهو يدمر وطنهم.

إن التعويل على من قاد البلاد إلى هذا المنقلب الوخيم هو تعويل على وهمٍ خادع. لا خلاص لوطن يُسلم أمره لمن انقلب على إرادة شعبه، ولا نجاة لشعب يمنح صوته لمن كان سبباً في تشريده وتجويعه. الحل ليس في هتافات زائفة، بل في كلمة حق تضع حداً لهذه المأساة وتسترد للسودان عافيته وكرامته المستباحة بأمر داعمي الحروب والعنف، ولا يصح إلا الصحيح.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة