أعمدة ومقالات

من جوبا إلى البركس.. كيف حمل الجنوب سؤال الدولة إلى الخرطوم

حفريات أكتوبر.. الثورة التي ما زالت تسألنا

الحلقة الرابعة

عندما تحولت قضية الإقليم إلى امتحان للحرية والشرعية وطبيعة السودان نفسه

عروة الصادق

هناك طريقة شائعة لقراءة ثورة أكتوبر تبدأ من الجامعة وتنتهي في القصر؛ وهي قراءة تلتقط لحظة الانفجار، لكنها تفوّت المسار الطويل الذي جعل جامعة الخرطوم نفسها تتحول إلى ساحة وطنية لنقاش قضية تبعد جغرافيًا آلاف الكيلومترات عن العاصمة. الطريق الأعمق يبدأ من الجنوب، فمن هناك، قبل أكتوبر بسنوات، ظهر السؤال الذي عجزت الدولة السودانية الوليدة عن تقديم إجابة مستقرة عنه: كيف تُدار دولة واسعة ومتعددة الثقافات والأديان واللغات والمصالح، من دون أن يتحول المركز إلى صاحب الحق الحصري في تعريف الوطن؟ قضية الجنوب كانت أحد المختبرات الأولى التي كشفت حدود الدولة المركزية، ثم دفعت سؤال الحرية نفسه إلى واجهة السياسة السودانية. ومن هنا تبدأ الحفرية الرابعة.

في قراءة الإمام الصادق المهدي لتلك المرحلة، ارتبط موقف القيادات الجنوبية منذ مؤتمر جوبا عام 1947م بضمانات سياسية داخل دولة موحدة؛ تمثيل في مؤسسات الحكم، وحضور في مجلس السيادة والوزارة والبرلمان، ووعد بعلاقة فدرالية يناقشها الدستور القادم. وتضع هذه الرواية المسألة في موضعها السياسي الأول؛ فالنزاع بدأ بسؤال حول كيفية المشاركة في الدولة قبل أن يتحول إلى بندقية. ثم جاءت السودنة، وترتيبات القوات المسلحة، وشكاوى الجنوبيين من ضعف تمثيلهم في مؤسسات الدولة الجديدة، ووقعت أحداث أغسطس 1955م قبل الاستقلال الرسمي بأشهر. والنقاش التاريخي حول الأسباب المباشرة لتلك الأحداث واسع، ويصعب اختزاله في رواية واحدة، غير أن الدلالة السياسية التي ظهرت مبكرًا تستحق التوقف عندها: الاستقلال عن الاستعمار لم يحسم تلقائيًا سؤال العلاقة بين المركز والأقاليم. السودان حصل على السيادة الخارجية قبل أن يستكمل بناء التوافق الداخلي حول معنى تلك السيادة، وهي فجوة ستعود آثارها مرارًا في تاريخ البلاد.

ومع انقلاب 17 نوفمبر 1958م تبدلت قواعد اللعبة؛ اختفى البرلمان، وحُلّت الأحزاب، وتقلصت بشدة المساحة التي كانت تتيح للقوى الجنوبية المطالبة والتفاوض داخل السياسة القومية. وفي رواية الصادق المهدي، غادر عدد من القيادات الجنوبية إلى الخارج، وتكونت الحركة السياسية المعروفة باسم «سانو»، ثم اتسع النشاط المسلح مع ظهور «أنيانيا». وهنا يصبح الفصل ضروريًا بين أمرين: الانقلاب لم ينشئ كل أسباب الأزمة الجنوبية، فقد سبقته جذور عميقة، لكنه غيّر طريقة معالجة الأزمة، وهذا هو الفارق الجوهري. فالدولة التي تواجه مشكلة سياسية عبر مؤسسات مفتوحة تملك طيفًا واسعًا من الأدوات: البرلمان، والأحزاب، والانتخابات، والصحافة، والتفاوض، والوساطة، والفدرالية، والتشريع. وكلما ضاقت هذه الأدوات ازدادت السلطة اعتمادًا على الإدارة والأمن، وفي المقابل ترتفع قابلية خصومها للبحث عن وسائل أخرى؛ فتقل السياسة ويزداد الأمن، ويزداد الأمن فتتراجع الثقة، وتتراجع الثقة فتزداد قابلية النزاع للعسكرة. هذه ليست قاعدة ميكانيكية، لكنها نمط تكرر كثيرًا في الدول التي عجزت عن إدارة تنوعها سياسيًا.

ومن أكثر سياسات عهد عبود إثارة للجدل ما وصفه الإمام الصادق المهدي لاحقًا بـ«الأسلمة الإدارية» للجنوب، ومن أمثلتها التي يكررها تحويل العطلة الأسبوعية من الأحد إلى الجمعة، إلى جانب التوتر مع المؤسسات الكنسية وطرد عدد من القساوسة الأجانب. ويقتضي الإنصاف التاريخي الاحتراز من الاختزال؛ فسياسات الحكومة في الجنوب خلال تلك السنوات تحتاج إلى دراسة مستقلة تعتمد وثائق الإدارة السودانية، والمصادر الجنوبية، والكنائس، والمذكرات الدبلوماسية، إلى جانب شهادات الفاعلين الشماليين. غير أن الاتجاه الذي تكشفه المادة المتاحة واضح: الدولة حاولت استخدام الإدارة والتعليم والثقافة والأمن داخل مشروع يوحّد المجال العام وفق تصور مركزي، وهنا انتقل الخلاف من إدارة الإقليم إلى سؤال أعمق: من يملك حق تعريف هوية السودان؟

وهذه المسألة أوسع من الجمعة والأحد؛ فالدول المتعددة تستطيع توحيد القانون والمؤسسات مع الحفاظ على التعدد الثقافي لمجتمعاتها، بينما تخلق محاولة معالجة التنوع بالتماثل القسري مقاومة إضافية، لأن المواطن الذي يشعر بأن الدولة تطلب منه تغيير هويته كي يصبح مقبولًا داخلها يبدأ في النظر إلى الدولة نفسها كطرف في النزاع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ فالتنوع في هذه الآية حقيقة بشرية سابقة على السلطة، ووظيفة الحكم تنظيمه بالعدل وصيانة الحقوق.

وعندما قرر نظام عبود طرد عدد من القساوسة الأجانب، اتسع نطاق الأزمة خارج حدودها المحلية؛ تحركت الكنائس الخارجية، ووجدت المعارضة الجنوبية مساحات أوسع للنشاط الخارجي، وتشير روايات تلك المرحلة إلى دعم إقليمي ودولي تلقته الحركة الجنوبية من جهات متعددة. والنقطة الاستراتيجية هنا تتجاوز تحديد حجم ذلك الدعم ومصادره، وهو ملف يحتاج إلى تحقيق مستقل، إلى فهم الآلية نفسها: كلما أخفقت الدولة في إنتاج تسوية داخلية، اتسعت فرص تدويل أزمتها. المظلمة المحلية تبحث عن منبر، والمعارضة تبحث عن موارد، والدول المجاورة تبحث عن نفوذ، والقوى الكبرى تبحث عن مصالح، والمنظمات الممتدة عبر الحدود تتحرك وفق دوافعها الدينية أو الإنسانية أو السياسية، وبعد فترة يصبح الفصل بين «الأزمة الداخلية» و«التدخل الخارجي» بالغ الصعوبة.

ومن هنا تظهر مسؤولية الدولة بصورة مختلفة؛ فالسيادة تُحمى ببناء نظام داخلي يقلل حاجة المواطنين إلى الخارج، إلى جانب حماية الحدود والمؤسسات. وهذا درس احتفظ بقيمته عبر العقود.

وفي أبريل 1964م نشر الإمام الصادق المهدي كتاب «مسألة جنوب السودان»، وكان شابًا آنذاك، ولم يكن الكتاب وثيقة دولة أو برنامجًا رسميًا لحل الأزمة، لكنه التقط تحولًا فكريًا مهمًا. ووفق شهادته اللاحقة، كانت الحجة المركزية أن مشكلة الجنوب أوسع من الأمن؛ لها أبعاد دينية وثقافية واقتصادية وسياسية، وأن الوصول إلى الحل يحتاج إلى حرية تتيح للسودانيين بحث البدائل. وقد تبدو الفكرة بديهية اليوم، غير أن قيمتها تتضح عند وضعها داخل مناخ حكم عسكري كان يميل إلى تعريف الأزمة بمفردات الأمن والإدارة.

وتروي شهادته أن وزير الداخلية أحمد مجذوب البحاري استدعاه واعترض على ما ورد في الكتاب ووجه إليه إنذارًا شديدًا. وإذا صحت تفاصيل الرواية، فالمفارقة عميقة؛ فالحكومة كانت تطالب بحل الأزمة، وفي الوقت نفسه تضيق بالنقاش الذي يحاول إعادة تعريفها. وهنا يظهر أحد أخطر عيوب النظم المغلقة: فهي تحرم خصومها من الكلام، وتحرم نفسها كذلك من المعرفة المضادة التي تحتاج إليها لتصحيح سياساتها. وقد تمتلك الدولة أجهزة أمن قوية ومعلومات كثيرة، ثم تبقى ضعيفة معرفيًا إذا كانت المعلومات التي تصل إلى القمة تؤكد افتراضاتها ولا تختبرها. وبهذا يصبح الاستبداد أزمة في إنتاج المعرفة إلى جانب كونه أزمة في توزيع السلطة.

وفي منتصف أكتوبر 1964م دخلت قضية الجنوب جامعة الخرطوم بقوة؛ دعا الطلاب الدكتور حسن عبد الله الترابي، عميد كلية القانون آنذاك، للحديث عن المسألة، وتتفق الروايات التي نعتمد عليها في هذه السلسلة على أن حديثه ربط الحل بضرورة وجود حرية تسمح بالنقاش السياسي. وكانت الاستجابة الطلابية واسعة، ثم اتجه الطلاب إلى تنظيم ندوة أخرى لمواصلة النقاش، ومن هذه اللحظة بدأ ميزان الأزمة يتغير.

فالجامعة أدت دورًا يتجاوز الاحتجاج الطلابي، وتحولت إلى مجال عام بديل داخل دولة ضاقت فيها المؤسسات الرسمية للنقاش. وهناك التقت ثلاثة خطوط في لحظة واحدة: قضية جنوبية تبحث عن حل، ومجتمع سياسي محاصر يبحث عن حرية، وجيل جامعي يبحث عن حقه في السؤال. السلطة رأت الندوة من زاوية النظام العام، والطلاب رأوها من زاوية حرية النقاش، بينما كشف مسار الأحداث أن القضية أصبحت أكبر من الطرفين.

وهنا نصل إلى واحدة من أهم لحظات الطريق إلى أكتوبر: أمننة السؤال السياسي. كان أمام الحكومة خلاف حول ندوة، فاختارت الشرطة أداةً للمعالجة، ثم دخل السلاح إلى المشهد، وبدأت الأزمة تنتقل بسرعة من موضوع إلى آخر؛ من الجنوب إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى حرية التعبير، ومن حرية التعبير إلى الدم، ومن الدم إلى شرعية النظام. وأمننة السؤال تعني أن تتعامل السلطة مع السؤال الذي يهز روايتها كتهديد أمني، فتواجهه بأدوات صُممت أصلًا لمواجهة الخطر المادي. تستطيع القوة تفريق اجتماع، لكنها تعجز عن إلغاء السؤال الذي أدى إلى الاجتماع، وقد تمنحه في بعض الحالات قوة أكبر؛ وهذا ما وقع، فقد كانت قضية الجنوب تحتاج إلى نقاش، وقمع النقاش جعل القضية نفسها مدخلًا إلى نقاش أوسع حول حرية السودان كله.

وتسمح تجربة الجنوب قبل أكتوبر بصياغة مفهوم أوسع يمكن تسميته «الارتداد السياسي للأطراف». فالمركز يستطيع لفترة أن يعامل أزمة إقليمية كما لو كانت بعيدة عنه، ويستخدم القوات والإدارة والميزانية لمعالجتها هناك، بينما تستمر الحياة السياسية في العاصمة بصورة شبه طبيعية، غير أن الكلفة تعود في النهاية إلى الدولة كلها؛ الحرب تؤثر في الميزانية، والقمع يضرب الشرعية، والنزوح يغير المجتمع، والتدخل الخارجي يضغط على السيادة، والسياسات التي جُرّبت في الأطراف قد تعود لتصبح أدوات حكم في المركز. وعند نقطة معينة تتحول أزمة الإقليم إلى أزمة للدولة بكاملها، وهذا ما حدث بدرجة مهمة في عام 1964م؛ فالجنوب الذي بدا بعيدًا عن الخرطوم دخل جامعة الخرطوم سؤالًا، ثم خرج منها ثورة.

ويبقى السؤال المضاد ضروريًا: ماذا كان سيحدث لو أُديرت المسألة سياسيًا؟ هل كانت أكتوبر ستقع إذا نجح نظام عبود في تقديم تسوية سياسية حقيقية للجنوب، وفتح المجال العام، وسمح بالنقاش؟ لا نملك إجابة حاسمة، وهذا هو الموقف العلمي الأدق. فقد كانت للمعارضة أسباب أخرى، وكانت أزمة الحكم العسكري أوسع من الجنوب، لكن من المعقول تحليليًا القول إن تخفيف الأزمة الجنوبية وفتح المجال العام كانا سيقللان أحد أهم مصادر الضغط على النظام. وهنا تكمن قيمة السيناريو المضاد؛ فهو يذكرنا بأن التاريخ لم يكن قدرًا مكتوبًا، وإنما تشكل عبر قرارات وبدائل، والنظم تُحاسب تاريخيًا على البدائل التي أهدرتها بقدر ما تُحاسب على الأفعال التي ارتكبتها.

وبعد سقوط عبود استعادت البلاد الحريات، وبدأت ترتيبات مؤتمر المائدة المستديرة لمعالجة قضية الجنوب سياسيًا، وتحمل هذه الخطوة دلالة بالغة؛ فالقضية التي ساهمت في أزمة الحكم العسكري عادت بعد الثورة إلى طاولة التفاوض. غير أن المسار لم يصل إلى تسوية نهائية، وهو ما يمنع تحويل أكتوبر إلى قصة نجاح مكتملة. فقد أعادت الثورة الأداة الصحيحة إلى الطاولة: السياسة، لكن امتلاك الأداة لا يضمن النتيجة. حل النزاعات العميقة يحتاج إلى وقت وثقة ومؤسسات وتنازلات متبادلة وتصميم دستوري قادر على استيعاب الاختلاف. استعاد السودان السياسة بعد أكتوبر، لكنه ظل يعاني ضعف قدرته على تحويلها إلى عقد وطني مستقر، ومن هنا استمرت القضية الجنوبية بأشكال متعددة حتى انفصال جنوب السودان في عام 2011م.

وإذا قرأنا هذه الحفرية كتاريخ للجنوب وحده، سنفقد معناها الأوسع؛ فالدرس يتعلق بطريقة بناء الدولة نفسها. فمنذ الاستقلال ظل السودان يواجه سؤالًا متكررًا: هل الوحدة تعني إدارة التنوع أم إزالة الفروق؟ هل السلطة في المركز تكليف لإدارة البلاد أم امتلاك لتعريفها؟ هل المطالب الإقليمية مشكلة أمنية أم جزء من التفاوض الطبيعي حول السلطة والثروة والهوية؟ ظهرت هذه الأسئلة في الجنوب، ثم عادت في دارفور، وظهرت في جبال النوبة والنيل الأزرق، واتخذت صورًا مختلفة في الشرق ومناطق أخرى. وهذه المناطق ليست متطابقة، ومظالمها لا تمثل نسخة واحدة، لكن خللًا بنيويًا يتكرر عبرها في جانب مهم: المركزية السياسية والاقتصادية والثقافية أضعفت قدرة السودان على تحويل تنوعه إلى مصدر قوة. وهذا ملف يتجاوز أي حزب أو حقبة.

واليوم، بعد 15 أبريل، تغيرت الخريطة جذريًا؛ تواجه الدولة حربًا أوسع، ومؤسسات تعرضت لانهيار كبير، وقوى مسلحة متعددة، ومجتمعات نزحت من مناطقها، ومدنًا كانت بعيدة عن الحروب القديمة ثم ذاقت الحرب مباشرة. وهنا يعود درس الجنوب بصورة مؤلمة. لسنوات طويلة كان جزء من المركز يتعامل مع الحرب كخبر يأتي من الأطراف، أما اليوم فقد انكسرت تلك المسافة. وهذه ليست مناسبة للمقارنة في المعاناة، فآلام السودانيين أوسع من أي مسابقة، لكنها فرصة لإعادة تعريف الأمن القومي السوداني.

فالأمن القومي يبدأ من شعور المواطن، في أبعد قرية عن العاصمة، بأن الدولة دولته؛ من عدالة توزيع السلطة والموارد، والمساواة أمام القانون، والتعليم، والخدمات، والاعتراف الثقافي، ومن جيش قومي يحتفظ بمهنيته، ومن نظام سياسي يستطيع استقبال المظلمة قبل أن يحملها شخص على ظهر بندقية. وهذا هو المعنى الاستراتيجي الأعمق لدرس الجنوب في أكتوبر.

وربما يكون من أكثر الأخطاء استمرارًا التعامل مع السلام كاتفاق يوقع بعد بناء السلطة، بينما تقول تجربة السودان إن شكل الدولة نفسه جزء من السلام؛ كيفية توزيع السلطة جزء من السلام، وعلاقة المركز بالأقاليم جزء من السلام، وملكية الأرض والموارد جزء من السلام، والهوية والمواطنة جزء من السلام، وترتيبات الجيش والأمن جزء من السلام. وإذا عولج وقف إطلاق النار بمعزل عن هذه الأسئلة، يمكن أن يتوقف القتال فترة بينما تبقى أسباب الحرب داخل المؤسسات. ولهذا يحتاج السودان الخارج من الحرب إلى مشروع دولة يتجاوز صفقات حملة السلاح، كما يحتاج المدنيون الراغبون في إنهاء الحرب إلى إجابة قابلة للحياة عن الدولة التي ستأتي بعدها.

ومن قضية الجنوب نصل إلى فلسفة الدولة نفسها؛ فأكتوبر تعلمنا أن الحرية جزء من البنية التي تجعل السلام ممكنًا. المجتمع المفتوح يستطيع مناقشة مظالمه قبل انفجارها، والصحافة تستطيع كشف الأزمة، والبرلمان يستطيع تحويلها إلى قانون، والأحزاب تستطيع التفاوض، والمحاكم تستطيع حماية الحقوق، والانتخابات تستطيع تغيير من فشل. أما النظام الذي يغلق هذه المخارج فيراكم الضغط داخل الدولة إلى أن يبحث عن منفذ آخر. ولهذا يصبح الحكم الديمقراطي، في السودان تحديدًا، قضية أمن قومي بقدر ما هو قضية حقوق سياسية.

والوفاء لأكتوبر يتجاوز استدعاء هتافاتها إلى فهم ما كشفته؛ فقد أظهرت أن مشكلة تبدأ بعيدًا عن العاصمة تستطيع إعادة تعريف شرعية الحكم في العاصمة نفسها، وأن الحرية أداة لحل الأزمات قبل أن تكون شعارًا أخلاقيًا، وأن الجامعة تستطيع التحول إلى ضمير عام عندما تفقد مؤسسات الدولة قدرتها على النقاش، وأن الرصاصة قد تربح للسلطة دقائق في شارع ثم تكلفها النظام كله. غير أن الدرس الأثقل جاء بعد ذلك: إسقاط السلطة التي أخطأت في إدارة التنوع أسهل من بناء دولة تعرف كيف تدير التنوع بصورة دائمة.

وهذا هو الامتحان الذي ما زال أمام السودان. انفصل الجنوب، لكن السؤال الذي حمله إلى الخرطوم بقي حاضرًا معنا: كيف نبني وطنًا يشعر فيه كل سوداني أن اختلافه لا ينتقص من مواطنته، وأن موقعه الجغرافي لا يحدد نصيبه من السلطة والحقوق، وأن الدولة تستطيع سماع صوته قبل أن تسمع صوت السلاح؟

الإجابة عن هذا السؤال أوسع من ذكرى أكتوبر؛ إنها شرط من شروط بقاء السودان نفسه.

وفي هذه الحلقة نفتح الباب بصورة خاصة أمام شهادات ووثائق الطلاب الذين شاركوا في ندوات جامعة الخرطوم حول الجنوب، وأعضاء اتحادات الطلاب في تلك الفترة، والجنوبيين الذين عاشوا أحداث الخمسينيات والستينيات، وموظفي الإدارة والتعليم في المديريات الجنوبية، وأسر القساوسة أو السودانيين الذين عاصروا قرارات الترحيل، وأعضاء الأحزاب والتنظيمات الجنوبية، والضباط والجنود الذين خدموا في الجنوب، وكل من يحتفظ بنسخة من كتاب «مسألة جنوب السودان» أو بمراسلات ومذكرات وصحف من تلك المرحلة. ونرحب كذلك بالشهادات التي تصحح أو تناقض الروايات المستخدمة هنا؛ فالغاية أن يصبح الأرشيف أكبر من الكاتب، وأن تتسع الذاكرة للروايات المختلفة بقدر ما يحتمله الدليل.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة