أعمدة ومقالات

حسن طرحة وإدمان التدليس والنفاق والبلطجة السياسية. ذروا بيع أبوهم بهذا الشعب الجريح.

بقلم السفير الصادق المقلي..

( A )

من أكثر الأشياء إثارة للدهشة في المشهد السوداني الراهن أن بعض الذين كانوا بالأمس ينتقدون نظام الإنقاذ، ويرفعون شعارات الثورة والتغيير، وينتقدون عسكرة السياسة واحتكار السلطة، أصبحوا اليوم يتعاملون مع الحرب بمنطق مختلف تمامًا؛ منطق يختزل الدولة في السلطة القائمة، ويختزل الوطنية في تأييد المعسكر الذي يراه صاحبه منتصرًا، ويختزل السياسة كلها في شعار واحد: الحسم العسكري أولًا، ثم لكل حادث حديث.
وفي هذا السياق تأتي مواقف حسن طرحة، التي تكشف – في تقديري – عن أزمة أعمق من مجرد اختلاف سياسي أو اجتهاد في قراءة الحرب. إنها تكشف عن نمط من الخطاب السياسي يقوم على الانتقائية، وتبديل المعايير بحسب موقع الشخص من السلطة والصراع، وتحويل التعقيدات السياسية والدولية إلى شعارات دعائية سهلة التداول.
فالرجل الذي كان في السابق يرفع صوته ضد سياسات نظام الإنقاذ، وشارك في نقده ورفضه، بل وكان جزءًا من المناخ السياسي الذي واجه النظام وساهم في تعرية ممارساته، أصبح اليوم أكثر استعدادًا لتبرير مواقف السلطة القائمة، والتعامل مع كل دعوة إلى وقف الحرب أو التسوية السياسية وكأنها مؤامرة على الدولة، أو خيانة للجيش، أو محاولة لمنح الدعم السريع انتصارًا سياسيًا.
وهنا تكمن المفارقة.
فليس المطلوب من أي سياسي أو كاتب أن يكون محايدًا بين الدولة والمليشيا، ولا أن يتساوى عنده الجيش والدعم السريع في كل شيء، ولا أن يتجاهل الجرائم التي ارتكبها أي طرف. لكن المطلوب أن يحتفظ السياسي بمعيار ثابت: ما الذي يخدم الدولة السودانية؟ وما الذي يحفظ وحدة البلاد؟ وما الذي يقلل كلفة الحرب على المواطنين؟ وما الذي يقود في النهاية إلى سلام مستدام وعدالة حقيقية؟
أما أن يتحول الموقف من الحرب إلى امتحان للولاء، وأن يصبح رفض استمرار القتال مساويًا للخيانة، وأن يصبح الحديث عن التسوية السلمية نوعًا من التآمر، فهذه هي المشكلة التي ينبغي التوقف عندها.
البلطجة السياسية بدل قراءة الواقع
من أكثر مظاهر هذا الخطاب استفزازًا تلك اللغة التي تتعامل مع السياسة الدولية بمنطق المشاجرة السياسية:
«نحن أفشلناهم في مجلس الأمن»!
«نحن طردنا فولكر»!
«نحن كسرنا الرباعية»!
«الهدنة بلوها واشربوا مويتها»!
وكأن العلاقات الدولية مباراة كرة قدم، وكأن طرد مبعوث أو تعطيل قرار أو رفض مبادرة يعني أن السودان انتصر على العالم، وأن الطرف الآخر انهزم وانتهى الأمر.
هذه ليست قراءة سياسية.
هذه بلطجة سياسية تحاول أن تمنح المتلقي شعورًا زائفًا بالقوة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «نحن كسرناهم» و«هم هُزموا»، وإنما بمنطق المصالح، وموازين القوى، والتحالفات، والضغوط، والعقوبات، والمساعدات الإنسانية، والشرعية الدولية، وحسابات الأمن الإقليمي والدولي.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه اللغة تمنح صانع القرار إحساسًا زائفًا بأن رفض الضغوط الدولية هو في ذاته انتصار، دون أن تسأل: ماذا كانت تكلفة هذا الرفض على المواطن السوداني؟ وماذا حدث بعده؟ وهل تغيرت موازين الحرب فعلًا؟ وهل تحسنت أوضاع الدولة والاقتصاد والمجتمع؟
فولكر والرباعية وسردية الحسم العسكري
وليس من الصعب اكتشاف هذا المنطق في الحديث عن فولكر بيرتس والرباعية وغيرها من المبادرات الدولية.
فالمشكلة تبدأ عندما يجري تصوير كل القوى الدولية والإقليمية وكأنها كتلة واحدة متآمرة على الجيش والدولة، وكأن أي دعوة إلى وقف الحرب هي بالضرورة دعوة إلى إسقاط الجيش أو تسليم البلاد للدعم السريع.
وهذا تبسيط مخل.
فالرباعية نفسها – الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر – ليست تنظيمًا أيديولوجيًا واحدًا، ولا تتطابق مصالح أعضائها في كل الملفات. بل إن مواقف هذه الدول من طرفي الحرب، ومن مستقبل السودان، ومن الإسلاميين، ومن مسألة الدولة المدنية، ومن مستقبل القوات المسلحة والدعم السريع، ليست نسخة واحدة متطابقة.
وفي سبتمبر 2025 طرحت الرباعية خارطة طريق دعت إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقالية لمدة تسعة أشهر تقود إلى حكم مدني. وأكدت في بيانها أن الحل العسكري للصراع ليس حلًا قابلًا للاستمرار، وأن استمرار الحرب يفاقم المعاناة ويهدد الأمن والاستقرار.
قد نختلف مع هذه المبادرة، وقد نختلف مع الدول التي تقف وراءها، وقد نرى أن لبعض هذه الدول مصالحها الخاصة وحساباتها المتناقضة مع مصالح السودان. وهذا كله مشروع في النقاش السياسي.
لكن السؤال الحقيقي هو: ما البديل؟
هل البديل هو الحرب المفتوحة بلا سقف زمني؟
هل البديل هو انتظار «الحسم العسكري» وكأنه نتيجة مضمونة؟
هل البديل هو أن نرفض كل مبادرة للسلام ثم نعتبر الرفض انتصارًا بحد ذاته؟
هنا يجب أن نتوقف.
شرعية الدولة ليست اكتشافًا جديدًا
من أكثر المغالطات شيوعًا في هذا الخطاب الخلط بين الدولة والسلطة التي تدير الدولة في لحظة معينة.
الدولة شيء، والحكومة أو السلطة القائمة شيء آخر.
الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة، لكنه ليس الدولة كلها.
والدولة ليست شخصًا، ولا مجلسًا سياديًا، ولا قيادة عسكرية، ولا حكومة بعينها.
وعندما ينتقد شخص أداء السلطة أو يرفض استمرار الحرب أو يدعو إلى وقف إطلاق النار، فهذا لا يعني بالضرورة أنه ضد الدولة.
بل إن حماية الدولة قد تقتضي أحيانًا أن نعارض السلطة حين نرى أنها تتخذ قرارًا يهدد الدولة نفسها.
وهذه نقطة جوهرية.
فمن الممكن أن تكون مع الدولة وضد الحرب.
ومن الممكن أن تكون مع الجيش كمؤسسة وطنية وضد استمرار الحرب.
ومن الممكن أن ترفض الدعم السريع وجرائمه، وفي الوقت نفسه ترفض أن تصبح الحرب مشروعًا مفتوحًا بلا نهاية.
ومن الممكن أن تطالب بمحاسبة المجرمين من جميع الأطراف، وأن ترفض في الوقت نفسه منطق الانتقام الجماعي.
هذه ليست تناقضات.
هذا هو جوهر التفكير السياسي المسؤول.

قبل أن نسلّم جدلًا بفرضية الحسم العسكري
وقبل أن نسلّم جدلًا بفرضية الحسم العسكري وانتصار الجيش، علينا أولًا أن نتوقف قليلًا أمام التاريخ السوداني، وأن نصحو من وهم أن التمرد يمكن أن يُحسم بمجرد تحقيق انتصارات ميدانية، أو أن الطرف الآخر سيجد نفسه في نهاية المطاف مضطرًا إلى الاستسلام ووضع السلاح والانسحاب طوعًا من المناطق التي يسيطر عليها.
فتاريخ الحروب والتمردات في السودان لا يقدم لنا هذه الصورة البسيطة.

لقد شهد السودان منذ الاستقلال حروبًا أهلية طويلة، انتهت مراحل منها عبر التفاوض والتسويات السياسية، لا بمجرد الإبادة العسكرية لأحد طرفي الصراع.
فالحرب الأهلية الأولى انتهت باتفاق أديس أبابا عام 1972، ثم اندلعت الحرب الثانية لاحقًا وانتهت باتفاق السلام الشامل عام 2005، بعد سنوات طويلة من القتال والتفاوض.
وهذا لا يعني أن التاريخ السوداني يقول إن كل حرب تنتهي بالتفاوض، ولا يعني أن القوة العسكرية لا تلعب أي دور في الحروب. وإنما يعني شيئًا أكثر أهمية: لا يجوز افتراض أن الحرب ستنتهي حتمًا بمجرد أن يحقق طرف تفوقًا ميدانيًا.
بل إن سقوط نظام الإنقاذ نفسه لم يؤدِ إلى اختفاء التمرد المسلح.
فقد ظلت حركات مسلحة فاعلة في دارفور، كما ظل عبد العزيز الحلو وحركته في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق، وظل عبد الواحد محمد نور وحركته في جبل مرة.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن تمرد اليوم ليس هو تمرد الأمس.
فالمقارنة بين الحالتين لا تستقيم إذا تجاهلنا الفارق الكبير في القوة البشرية، ونوعية السلاح، وحجم الانتشار الجغرافي، وشبكات التحالف، والموارد، والقدرة على الحركة والمناورة.
الحرب الحالية نقلت الصراع إلى مستوى مختلف.
هناك انتشار جغرافي واسع، وقدرة أكبر على المناورة، واستخدام متزايد للمسيّرات والأسلحة الحديثة، وتداخل بين العسكري والسياسي والقبلي والاقتصادي، فضلًا عن الدعم والارتباطات الإقليمية والدولية.
وهناك أيضًا عامل بالغ الأهمية: تغير التحالفات.
هذه ليست حربًا ذات جبهتين ثابتتين إلى الأبد.
لقد رأينا حركات كانت بالأمس جزءًا من التمرد المسلح ضد نظام الإنقاذ تتحول بعد سقوط النظام واندلاع الحرب إلى جزء من المعسكر الداعم للقوات المسلحة.
فقد اصطفّت حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي، إلى جانب القوات المسلحة، إلى جانب فصائل وقوى مسلحة أخرى.
وفي المقابل، اتخذت فصائل أخرى مسارًا مختلفًا، وانضمت فصائل مرتبطة بالهادي إدريس والطاهر حجر إلى التحالف السياسي والعسكري الذي تشكل حول الدعم السريع.
وهذا وحده كافٍ لتعليمنا درسًا مهمًا:
عدو الأمس قد يصبح حليف اليوم، وحليف اليوم قد يصبح خصم الغد.
ومن يعتقد أن خريطة التحالفات الحالية ستظل ثابتة إلى الأبد، وأن كل طرف سيبقى في موقعه حتى نهاية الحرب، فإنه لا يقرأ طبيعة السياسة السودانية ولا تاريخ الحركات المسلحة في البلاد.
ماذا حدث بعد مبادرة الرباعية؟
وهنا نصل إلى نقطة أكثر مباشرة.
في سبتمبر 2025 طرحت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر مبادرة عرفت بخارطة طريق الرباعية، تضمنت هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، ثم وقفًا دائمًا لإطلاق النار، ثم مسارًا انتقاليًا نحو حكم مدني.
وكان الموقف الرافض لأي تسوية سياسية يقوم على الرهان على استمرار الحرب حتى تحقيق الحسم العسكري.
لكن ما ينبغي قوله بدقة هو أن رفض المبادرة لا يمكن إثبات أنه تسبب وحده في كل التطورات العسكرية التي جاءت بعدها.
فالحروب لا تتحرك بهذه الآلية المباشرة.
لكن يمكننا أن نسأل سؤالًا سياسيًا مشروعًا:
ماذا حدث بعد أن أُغلقت نافذة التسوية واستمرت الحرب؟
استمرت المعارك، وتغيرت خرائط السيطرة، وحدثت تطورات ميدانية كبيرة.
وفي أكتوبر 2025 تمكن الدعم السريع من السيطرة على الفاشر، آخر معاقل الجيش الرئيسية في دارفور، بعد حصار طويل دام نحو 18 شهرًا. وأعقب سقوط المدينة تقارير خطيرة عن عمليات قتل وانتهاكات بحق مدنيين وفارين من المدينة، وهو ما أكدت الأمم المتحدة وجود تقارير موثوقة بشأنه.
وفي كردفان استمرت معارك بابنوسة لفترة طويلة، في واحدة من أهم الجبهات التي ربطت بين دارفور وكردفان.
ثم جاءت التطورات الأخطر في ديسمبر 2025، عندما أعلنت قوات الدعم السريع السيطرة على منطقة هجليج النفطية الاستراتيجية، بعد انسحاب القوات الحكومية والعاملين في المنشأة إلى جنوب السودان لتجنب القتال حول المنشآت النفطية.
وهكذا انتقلت الحرب، من حيث موازين السيطرة، من دارفور إلى عمق كردفان، ثم إلى منطقة ذات أهمية نفطية واقتصادية واستراتيجية بالغة.
مرة أخرى، لا أقول إن رفض مبادرة الرباعية هو الذي «سبب» سقوط الفاشر أو بابنوسة أو هجليج؛ فهذا تبسيط لا يصح.
لكنني أقول إن هذه التطورات تجعل من الضروري أن نسأل دعاة الحسم العسكري:
إذا كانت الحرب هي الطريق إلى الحل، فأين هو الحسم؟
وإذا كانت كل مبادرة للسلام مؤامرة، فماذا كانت نتيجة رفضها؟
وإذا كان الوقت يعمل لصالح الجيش كما يقال، فلماذا ظلت الحرب قادرة على تغيير موازينها وخرائطها وتحالفاتها بهذه الصورة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها السياسة الجادة، بدل الاكتفاء بالشعارات.

وحتى لو سلمنا جدلًا بخيار الحسم العسكري…
وحتى لو سلمنا جدلًا بخيار الحسم العسكري بوصفه الطريق إلى إنهاء الحرب، فإن السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه هو:
أي انتصار هذا الذي يترك وراءه دولة منهكة، واقتصادًا منهارًا، ومجتمعًا ممزقًا، وملايين المواطنين بين قتيل ونازح ومشرد؟
قد ينتصر طرف عسكريًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة قد انتصرت.
بل قد يكون هذا الانتصار، في حقيقته، انتصارًا بطعم هزيمة الدولة.
أولًا: لأن المنتصر لن يجد في نهاية المطاف سوى ركام وطن وجماجم مواطنين.
فكلما طالت الحرب، اتسعت الخسائر، وتضاعفت الكلفة الاجتماعية والاقتصادية، وتعمقت الكراهية بين المجتمعات، وتضاعفت أعداد النازحين واللاجئين، وتآكلت مؤسسات الدولة.
والدولة لا تُبنى بالجثث.
ولا تُبنى المدن بالأنقاض.
ولا يُعاد الاقتصاد إلى الحياة بالشعارات العسكرية.
وثانيًا: لأن الحسم العسكري، حتى لو تحقق، قد يعيد البلاد إلى مربع الأزمة السياسية والاقتصادية التي أعقبت انقلاب أكتوبر 2021، بدل أن يفتح طريقًا مستقرًا للتعافي.
فانقلاب أكتوبر 2021 أوقف مسار الانتقال المدني، وأدخل البلاد في عزلة سياسية ودولية متزايدة، وأضر بعلاقات السودان مع شركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية، وعرّض مسارات الدعم والتعاون الاقتصادي والتمويلي للتعطيل.
وفي بلد يعاني أصلًا من ضعف الإنتاج، وانهيار الإيرادات، وتدهور العملة، وتدمير البنية التحتية، فإن استمرار العزلة وتعطيل العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية وشركاء التنمية يجعل عملية التعافي الاقتصادي أكثر تعقيدًا بكثير.
أما مسار تخفيف أعباء الديون، فهو في ذاته عقدة رئيسية في أي محاولة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، لأن تخفيف الدين ليس مجرد رقم في دفاتر وزارة المالية، وإنما جزء من منظومة دولية تتطلب استقرارًا سياسيًا، ومؤسسات فاعلة، وعلاقات طبيعية مع المجتمع الدولي، وبرنامجًا اقتصاديًا يمكن الوثوق به.
فكيف يمكن لبلد أن يخرج من حرب مدمرة ثم يدخل مباشرة في عزلة سياسية واقتصادية جديدة؟
وكيف يمكن أن نعتبر ذلك انتصارًا؟
الانتصار الحقيقي ليس أن تستعيد مدينة ثم تخسر اقتصادًا.
وليس أن ترفع علم الدولة فوق مبنى بينما الملايين لا يجدون بيتًا يعودون إليه.
وليس أن ينهزم خصمك عسكريًا بينما يبقى المجتمع منقسمًا، والثأر مفتوحًا، والسلاح منتشرًا، والاقتصاد منهكًا.
الانتصار الحقيقي هو أن تنجو الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة