❝قد يغنّي الفنان للحبيبة.. فيسمع الناس الوطن، وقد يختار موقفاً.. فيسمع الناس ما لم يقله صوته. وحين تتخاصم المواقف مع الأغنيات، لا تُحاكم النوايا وحدها.. بل تُراجع الحكاية كلها.❞
تقول الحكاية.. في الحادي عشر من سبتمبر 1973، ذهب المغني التشيلي فيكتور خارا إلى عمله في الجامعة، فيما كانت بلاده تدخل (ظلام الانقلاب العسكري).. اعتقله الجنود، واقتادوه إلى ملعب تشيلي، حيث عُذّب وقُتل.. لم تكن حكايته مجرد حكاية مغنٍّ انتهت حياته؛ فقد صار صوته جزءاً من ذاكرة شعب، وأصبحت أغنياته شاهداً على زمن حاولت فيه السلطة إسكات ما لا تطيقه من كلمات. لم يكن كل فنان مطالباً بأن يسلك طريق (خارا) لكن حكايته تضع أمامنا سؤالاً لا يشيخ:” هل الفن نغمة تطرب الأذن وحدها، أم موقف يترك أثره في الضمير؟” ..
تلك حكاية فنان وثقها التاريخ، أما حكايتنا اليوم فليست محاكمة لفنان على شجاعة غيره، وإنما مساءلة عن المسافة بين ما يغنيه الفنان وما يختاره حين يصبح الموقف امتحاناً.
من تشيلي نعود إلى السودان.. في السودان، لم تكن الأغنية الوطنية دائماً نشيداً يرفع لافتة السياسة.. أحياناً جاءت في ثوب الحبيبة، وأحياناً تسللت في جناح طائر، وأحياناً حملت وجع أمٍّ تنتظر ابنها، أو مزارع يحلم بأرض لا تشرب الدم.. لكن الناس كانوا يعرفون أن خلف الحكاية حكاية، وخلف العشق بلداً يتوق إلى أن يعيش..
هكذا غنّى محمد وردي كلمات محجوب شريف، فصارت (يا شعباً لهبك ثوريتك).. نشيداً للانتفاضة، وصارت (حنبنيهو) وعداً بمستقبل يليق بالناس. وهكذا حمل مصطفى سيد أحمد وأبو عركي البخيت ومحمد الأمين قصائد محجوب شريف وغيره من الشعراء، فامتزجت الأغنية بوجدانٍ لا يفصل الجمال عن كرامة الإنسان.. لم تكن تلك الأصوات متطابقة في كل مواقفها، ولم تكن سير أصحابها بلا تعقيد؛ لكن أعمالاً منها تجاوزت أصحابها، وصارت جزءاً من ذاكرة الحرية ومقاومة الاستبداد.
(1)
من هنا نبدأ حكاية محمد النصري. لا ننكر موهبته، ولا نتبرأ من كل أغنية أحببناها بصوته، ولا نزعم أن الفنان مطالب بأن يطابق اختياراته اختيارات جمهوره حرفاً بحرف.. لكننا نرفض أن تتحول المحبة إلى شيكٍ على بياض، وأن يصبح الإعجاب قيداً يمنع السؤال.. للفنان حقه في الموقف، وللجمهور حقه في المحاسبة الأخلاقية، وفي إعادة النظر، وفي أن يقول:” أحببنا صوتك، لكننا لا نوافق على الطريق الذي اخترت أن تسلكه”.. فالمحبة ليست عقد استسلام، والتصفيق بالأمس لا يلزم اليدين إلى الأبد.
(2)
والنصري لم يبدأ قصته السياسية في أمري، حين ظهر أمام البرهان وتحدث عن خدمته ثلاثة عشر عاماً في الفرقة التاسعة عشرة مشاة، وعن إحالته إلى المعاش خلال الثورة لأنه لم يخرج في المواكب، وفق قوله أمام البرهان والحفل المحتشد.. قبل ذلك بسنوات، واجه النصري انتقادات بسبب غنائه في حملات مدير جهاز الامن الأسبق صلاح قوش عام 2019، ودافع عن اختياره، ثم عاد إلى تفسير موقفه في حوار عام 2022.. إذن نحن أمام مسار قديم، لا أمام زلة لسان نريد أن نبني عليها حكماً نهائياً.. للرجل روايته، وله أن يشرحها؛ لكن من حق الجمهور أيضاً أن يقرأ اختياراته المتكررة، وأن يسأل عن معناها في لحظات التحول الوطني.
(3)
لكن ما يضاعف السؤال ليس الظهور أمام البرهان وحده؛ بل تلك المسافة التي يشعر بها بعض الجمهور بين المشهد وبين الأغنيات التي حفظها.. خذوا حميد، محمد الحسن سالم، شاعر الناس والوطن، الذي لم يكن يضع السودان دائماً في صدر القصيدة اسماً صريحاً؛ فقد يتركه مختبئاً في الحبيبة، أو في حمامة تبحث عن غصن آمن، أو في حلمٍ بأن يعود الناس إلى بعضهم بعد طول خصام.. وفي (سوقني معاك يا حمام).. لا يترك حميد الرمز وحيداً كي نتخبط في تأويله؛ فهو ينقل القصيدة من الشوق إلى السلام، ومن المحنة إلى الوئام، ويرفض الحرب، ويستدعي الديمقراطية والأمان، ويدعو إلى أن تغني الطيور حيث اعتادت الحرب أن تتكلم.. هنا لم يعد الوطن تأويلاً بعيداً؛ القصيدة نفسها تفتح بابه.
(4)
وحميد ليس وحده في هذه الحكاية. محجوب شريف كتب للوطن مباشرة، وكتب له عبر تفاصيل الحياة، حتى بدت قصائده مرآةً للناس وآمالهم؛ والتيجاني سعيد حمل في (ارحل) غضباً لا تخطئه الأذن، ومحمد المكي إبراهيم صاغ في (أكتوبر الأخضر) ذاكرة انتفاضةٍ أرادت أن تفتح نافذةً للحرية.. وغنّى وردي (أصبح الصبح).. فصار الصبح في وجدان السودانيين أبعد من وقت في النهار. لم تكن كل أغنية حبٍّ رسالة سياسية، ولم يكن كل رمزٍ يعني الوطن بالضرورة؛ لكن حين يسند النص قراءتنا، وحين يؤكد السياق التاريخي دلالته، يصبح تجاهل المعنى تعسفاً أشد من المبالغة في التأويل.
ولنكن واضحين:” نحن لا نطالبه أن يكون وردي، ولا أبو عركي، ولا مصطفى سيد أحمد، ولا أن يكرر تجربة أي فنان آخر.. لسنا لجنة تفتيش على الضمائر، ولا نوزع شهادات الوطنية على المغنين.. لكننا نعرف أن الأغنية السودانية لم تكن زينةً معلقة على جدار الحياة؛ فقد حملت وجع المعتقل، وحنين المنفي، وحلم العامل، وصوت من أراد أن يقرر مصيره بنفسه.. لهذا فإن السؤال عن الموقف ليس عداءً للفن، بل دفاعٌ عن حق الجمهور في أن يأخذ الفن مأخذ الجد.. أما أن نُطالب بالصمت لأن الصوت جميل، فذلك أن نجعل جمال اللحن ستاراً يحجب ما يراه الناس من تناقض.
(7)
يا نصري.. نحب صوتك، وألحانك، وأغنيات رافقت أيامنا؛ لكننا أصحاب مبادئ، ولن نساوم على الوطن وأشواقنا إلى الحرية والسلام والعدالة.. لن نختار الفنان على حساب القصيدة التي أحببناه بها، ولن نجعل الذكريات سلاسل في أعناقنا.. إن كنت قد اخترت موقعك، واعلنت عن أين اصطفافك، فذلك شأنك؛ ونحن أيضاً نختار موقعنا، ولدينا إصطفافنا، ونحتفظ بحقنا في أن نغادر ما لم يعد يشبه ما نؤمن به. لا نطلب منك أن تبقى مع الثورة والثوار بالقوة، ولا نمنعك من أن تغني لمن تشاء؛ لكننا لن نُجبر قلوبنا على التصفيق، ولن نكذب على ضمائرنا كي لا نخسر مطرباً.. فالفن أوسع من صاحبه، والوطن أوسع من جمهور فنان، والحرية التي نغني لها تبدأ من حقنا في الاختلاف.
ما نود قوله هنا:”الانتحار في عنواننا مجازٌ عن خسارة رصيد من المحبة، لا حكماً على موهبة انتهت، ولا دعوةً إلى إقصاء إنسان .. قد يبقى للنصري صوته، وتبقى له أغنياته، ويبقى له جمهوره الذي يوافقه أو يغفر له أو يختلف معه.. أما نحن، فلن نضع حبنا للفنان فوق حقنا في السؤال. فالقصيدة التي غنّت للسلام لا تستطيع أن تُلزم مستمعيها بالصمت، والصوت الذي دخل الوجدان لا يملك أن يصادر ضمير من أحبّه.. نودّع الوهم بأن الفن يعفينا من مساءلة الموقف.. ولا نودّع حقنا في الجمال. فالوطن أبقى وأهم من ألف نصري.
ومضة.. في جنوب أفريقيا، لم تكتفِ المغنية ميريام ماكيبا بأن تحمل صوتها إلى المسارح؛ بل جعلت شهرتها منبراً لمناهضة الفصل العنصري، سُحب جوازها، وعاشت في المنفى سنوات طويلة، لكن موقفها ظل جزءاً من إرثها الفني والإنساني. لم تكن قصتها دعوةً لأن يتشابه الفنانون جميعاً، بل دليلاً على أن الفنان يستطيع أن يختار كيف يستخدم صوته، وأن هذا الاختيار قد يصبح جزءاً لا ينفصل عن سيرته.
في انتفاضة أبريل 1985، غنّى وردي (يا شعباً لهبك ثوريتك) فصارت الأغنية علامةً على لحظة استعاد فيها الناس صوتهم.. لم يكن السر في اللحن وحده، ولا في الكلمات وحدها، بل في التقاء الأغنية بوجدان لحظتها التاريخية.. هكذا يصنع الجمهور معنىً لا يملكه الفنان منفرداً؛ وهكذا قد تبقى الأغنية شاهدةً على ما أراده الناس منها، حتى حين تختلف الطرق بين صاحب الصوت ومن حملوا صوته في ذاكرتهم..
نعلم أن الفنان حرٌّ في أن يختار موقفه.. والجمهور حرٌّ في أن يختار ماذا يفعل بصوته في ذاكرته.. لكن الأغنية التي دخلت القلوب باسم الوطن لا تستطيع أن تطلب من الوطن أن يصمت حين يتكلم صاحبها.
توقيع أفق الحرف:
أفق يترفق باتساعه ليقول:”نحن لا نعبد الأصوات.. ولا ندفن الجمال.. لكننا لا نبيع المبدأ بثمن أغنية، ولا نترك الوطن عند أول منعطف.. نحبّ، ونختلف، ونمضي.. فالبلاد التي نريدها تستحق أن نخسر من أجلها ألف صوت، ولا نخسر من أجل صوت واحدٍ ضميرنا. إنا لله ياخ.. الله غالب.