أعمدة ومقالات

أحمد القرشي.. من القراصة إلى جامعة الخرطوم سيرة الإنسان الذي ابتلع الرمز جزءًا من حكايته

حفريات أكتوبر (5)

عروة الصادق
https://orwaalsadig.substack.com/p/daa?utm_source=share&utm_medium=android&r=2kjfqj

كلما ذُكرت ثورة أكتوبر 1964م، حضر أحمد القرشي طه سريعًا في الذاكرة السودانية؛ الشهيد الأول، ورصاصة مساء 21 أكتوبر، والنعش الذي حملته الخرطوم إلى القراصة، والاسم الذي صار نشيدًا وهتافًا وقاعةً جامعية، غير أن هذه السرعة نفسها ظلمت الرجل؛ فقد ابتلع الرمز جانبًا واسعًا من الإنسان، وغطّت لحظة موته على عشرين عامًا تقريبًا من حياته، واختزلته الرواية العامة في صورته الأخيرة، حتى صار بعض السودانيين يعرفون «القرشي» ولا يعرفون أحمد، ويحفظون موته أكثر مما يعرفون حياته، ويستدعون اسمه في مواسم أكتوبر دون أن يسألوا: من أين جاء ذلك الشاب؟ وما الذي حمله من القراصة والدلنج والفاشر إلى جامعة الخرطوم؟ ولماذا كان حاضرًا في تلك الليلة التي خرج بعدها السودان مختلفًا عما كان قبلها؟
لهذا تبدأ هذه الحفرية قبل الرصاصة؛ تبدأ من محاولة استرداد الإنسان من الرمز، ومن سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: من كان أحمد قرشي طه قبل أن يصبح «القرشي»؟
المادة التي وضعتها أسرة الشهيد بين أيدينا تفتح أبوابًا قلما دخلتها الكتابة عن أكتوبر؛ ذكريات الأسرة، وإفادات زملائه، وتفاصيل التعليم، والقراصة، والدلنج، والفاشر، وجامعة الخرطوم، والمستشفى، وموكب التشييع، وموضع الإصابة، وروايات متقاطعة عن الساعات التي فصلت بين الندوة والدفن، وهي مادة كبيرة القيمة، شريطة التمييز بين الوثيقة المعاصرة، والشهادة المتأخرة، والرواية الأسرية، والاستنتاج اللاحق؛ فالتاريخ ينصف الشهداء بالتدقيق في أخبارهم أكثر مما ينصفهم بتجميلها.

القراصة.. القرية التي خرج منها إلى السودان
ولد أحمد قرشي طه في القراصة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض، وترجح الرواية الأسرية ميلاده عام 1944م، بينما ترد في إفادة لأحد أقربائه سنة 1943م؛ وهو اختلاف صغير في ظاهره، لكنه يذكّرنا بأن بعض أكثر شخصيات تاريخنا الحديث حضورًا في الذاكرة ما تزال تفاصيل أساسية من سيرتها تنتظر الوثيقة الأصلية والحسم التوثيقي.
كانت القراصة أكثر من موضع ولادة؛ كانت مدرسة اجتماعية مبكرة، تصف الأسرة مجتمعًا استوطنت فيه جماعات سودانية متعددة، وتداخلت داخله صلات الشايقية والمحس والجعليين والكواهلة والحسانية والريافة وغيرهم، مع اقتصاد يقوم على الزراعة والتجارة وصيد الأسماك، وخلاوى ومساجد ومشروع زراعي وحركة متصلة بين النيل الأبيض وكردفان والعاصمة؛ وفي مثل هذا المجتمع يصير التنوع حياة يومية، ووجوهًا وأسماء وجيرانًا وأفراحًا وأتراحًا، قبل أن يصبح فكرة سياسية أو بندًا في برنامج.
ولعل واحدة من الروايات عن صباه تكشف هذا المعنى بوضوح؛ إذ يُروى أن الأستاذ مصطفى محمد سعيد سأل بعض التلاميذ عن قبائلهم، وعندما وصل السؤال إلى أحمد أجاب: «قبيلتي السودان»، فضحك بعض الطلاب، بينما أثنى الأستاذ على الإجابة وطلب منهم التصفيق له.
لا تتوافر حتى الآن وثيقة معاصرة مكتوبة تثبت الواقعة، ولذلك تبقى شهادة تحتاج إلى مزيد من التقاطع، غير أن قيمتها تتجاوز جمال العبارة؛ فهي تنسجم مع صورة تتكرر في شهادات أسرته وزملائه عن فتى هادئ، قليل الضجيج، شديد الحساسية تجاه الإهانة والظلم، يميل إلى التعامل مع الآخرين على قاعدة تتجاوز الانتماء الضيق.
وتروي الأسرة عنه مشهدًا آخر، وقف فيه مع زملائه عند بيت للنمل، ولفت انتباههم إلى انتظامه في الذهاب والعودة دون تزاحم أو مشاجرة، ثم جعل من المشهد درسًا في العمل والدراسة والابتعاد عن القبلية والعنصرية؛ وهذه التفاصيل الصغيرة، متى تأكدت، أصدق أحيانًا في كشف الإنسان من مقولات سياسية كثيرة أُسقطت عليه بعد موته.

طفل الخلوة.. والخطاط والرسام
بدأ أحمد تعليمه في خلوة جده الشيخ الصديق محمد أحمد «الأحيمر»، فتعلّم القرآن والقراءة والكتابة، ثم انتقل إلى مدرسة نعيمة الأولية، ومنها لفترة قصيرة إلى أبي جبيهة، ثم إلى الدلنج؛ وهنا تكشف السيرة عن جانب يكاد يغيب كليًا من صورة الشهيد في الذاكرة العامة.
كان أحمد طالبًا تتسع حياته للدراسة والثقافة والرياضة؛ كتب في الصحيفة الحائطية بداخلية التكمة، وتولى جانبًا من إخراجها لما عُرف عنه من جودة الخط والرسم، وتذكر الأسرة رسمًا كاريكاتيريًا لحارس مرمى يقفز إلى ناحية بينما تدخل الكرة المرمى من الناحية الأخرى، فلفت الرسم أنظار التلاميذ والأساتذة، حتى حارس المرمى الذي كان موضوع المزحة.
ذلك الفنان الصغير في داخلية التكمة غاب طويلًا خلف صورة الشهيد؛ كما شارك في النشاط المسرحي المدرسي، وتورد الأسرة أنه أدى دور الملك في مسرحية مترجمة، وهي جزئية يحتاج اسم المسرحية نفسه إلى مراجعة قبل القطع به، لكنها تضيف ملمحًا مهمًا إلى سيرته؛ فالشاب الذي عرفه السودان لاحقًا في لحظة مواجهة كان يمارس الرسم والمسرح والصحافة الحائطية وكرة القدم.
وكان كثير القراءة، يتابع الأخبار عبر الراديو، ويحرص في عطلته على العودة إلى القراصة، حيث كانت الليالي الثقافية والمنافسات الرياضية والمسرح جزءًا من حياة شباب القرية؛ وهذه التفاصيل تعيد الإنسان إلى صورته الطبيعية، فالشهيد لم يولد شهيدًا، وإنما كان شابًا له أصدقاء ومواهب وضحكة وذكريات ومشاريع بقي كثير منها مفتوحًا عندما توقفت حياته.

الدلنج.. مدرسة التعدد الثانية
ارتبطت أسرة أحمد بالدلنج قبل انتقاله إليها بسنوات؛ كان والده قرشي طه يعمل في التجارة هناك، وبنى شبكة علاقات واسعة مع مجتمع المنطقة وقياداته، وتقدم الرواية الأسرية صورة لرجل عُرف بالحكمة والقراءة والمشاركة في تسوية الخلافات المحلية.
أما أحمد، فقد وجد نفسه في مدينة ومحيط اجتماعي يجمع النوبة والبقارة ومجموعات أخرى، وبين مدرسة وداخلية وأسواق وعائلات قادمة من مناطق سودانية متعددة؛ ويصعب فصل هذا التكوين المبكر عن المعنى الذي اتخذه الوطن لاحقًا في وعيه العام، فالسودان عنده لم يكن خريطة مدرسية وحدها، وقد عاشه بين النيل الأبيض وكردفان، ثم حمله إلى دارفور قبل أن يصل إلى الخرطوم، لتغدو سيرته نفسها خريطة مصغرة للبلاد التي سيموت دفاعًا عن حريتها.

الفاشر.. السياسة تدخل السيرة
بعد إكمال المرحلة الوسطى في الدلنج انتقل أحمد إلى مدرسة الفاشر الثانوية، وهنا تبدأ السيرة الإنسانية في الاقتراب بوضوح من السيرة السياسية.
ينقل مكي حسن أبو قرجة عن معاصري أحمد في المدرسة أنهم ظلوا، بعد عقود، يذكرون أدبه وبشاشته وإيثاره للآخرين، حتى إنهم رووا أنه كان في الرحلات يختار الموضع الأكثر مشقة في العربة ويترك الأفضل لغيره؛ غير أن الفاشر لم تكن مدرسة للأخلاق الشخصية وحدها، فبحسب رواية الأسرة شارك أحمد في احتجاجات طلابية، وكان ضمن طلاب طلبت الإدارة تعهدات من أولياء أمورهم بعد نشاط احتجاجي، ومنذ تلك المرحلة بدأ اسمه يرتبط بالمعارضة للحكم العسكري والاهتمام بقضايا الحرية.
وهذه المعلومة بالغة الأهمية؛ لأنها تضعف تصورًا تكرر في بعض الكتابات عن طالب جديد بعيد عن النشاط العام، ثم جاءت رصاصة عشوائية فوضعت التاريخ فوق كتفيه؛ فالقرائن التي تقدمها الأسرة وبعض زملائه ترسم مسارًا مختلفًا، يشير إلى أن أحمد دخل المجال العام قبل وصوله إلى جامعة الخرطوم.

جامعة الخرطوم.. الغرفة رقم 50
دخل أحمد جامعة الخرطوم طالبًا بكلية العلوم، وسكن داخلية الدندر، الغرفة رقم 50 بحسب إفادة قريبه وزميله المهندس عبد الرحيم الأمين صبير؛ ويقدم صبير تفصيلًا إنسانيًا بالغ البساطة والدلالة، فقد كان الاثنان يتقاسمان سريرًا ذا طابقين، عبد الرحيم في الأسفل وأحمد في الأعلى.
غرفة، وسرير، وكتب، وزملاء، وامتحانات، وصحف حائطية، ونقاشات سياسية، ومستقبل مفتوح؛ ومن الصعب قراءة هذه التفاصيل اليوم دون أن يتدخل المستقبل في المشهد، فنحن نعرف أن صاحب السرير الأعلى سيغادر الدراسة قبل اكتمالها، وأن اسمه سيخرج من الغرفة الصغيرة إلى تاريخ البلاد، لكنه في تلك اللحظة كان طالب علوم يعيش بين آلاف الاحتمالات.
وجد أحمد في الجامعة بيئة سياسية ناضجة نسبيًا؛ كان اتحاد الطلاب يقوم على التمثيل النسبي، وتوجد داخله تنظيمات واتجاهات فكرية متعددة، وكانت الجامعة قد دخلت في مواجهة ممتدة مع حكم 17 نوفمبر منذ السنوات الأولى للنظام؛ ففي سبتمبر 1959م رفع اتحاد الطلاب مذكرة تطالب بالحكم المدني والحريات وعودة الجيش إلى مهامه المهنية، أي أن 21 أكتوبر 1964م لم يكن صحوة مفاجئة للجامعة، وإنما حصيلة خمس سنوات على الأقل من المناقشة والاحتجاج والصراع حول استقلال الجامعة والحريات والحكم والحرب في الجنوب.

لمن كان ينتمي أحمد؟
هذه واحدة من أكثر المسائل التي شوشت سيرة الشهيد؛ فبعد نجاح الثورة تنازع التياران الشيوعي والإسلامي نسبة أحمد إليهما، وفي مجتمع سياسي كان كل طرف فيه يبحث عن شرعية ثورية، صار الجثمان نفسه موضوعًا للتنافس الرمزي.
المادة المتاحة من الأسرة وشهادات عدد من معاصريه تسمح بصياغة أكثر دقة؛ فهناك شهادات تفيد بنشاط أحمد في الجبهة الديمقراطية داخل الجامعة، وبمشاركته في كتابة المواد الحائطية والنشاط الطلابي، وفي المقابل توجد شهادات تنفي عضويته التنظيمية في الحزب الشيوعي، كما توجد شهادة من قيادي إسلامي سابق تنفي انتماءه إلى تنظيم الإخوان المسلمين.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا؛ فالجبهة الديمقراطية كانت إطارًا طلابيًا أوسع من العضوية الحزبية الشيوعية، كما أن تدين أحمد وصلاته وصومه وانتماء أسرته إلى بيئة دينية لا يحوّله تلقائيًا إلى عضو في تنظيم إسلامي.
والصياغة الأقرب إلى ما تتيحه الأدلة الحالية أن أحمد كان ناشطًا ديمقراطيًا معارضًا للحكم العسكري، وتوجد شهادات قوية على نشاطه داخل الجبهة الديمقراطية، دون وثيقة عضوية متاحة تثبت انتسابه التنظيمي إلى الحزب الشيوعي، ودون دليل يثبت عضويته في الإخوان المسلمين؛ وربما كان هذا أكثر إنصافًا له من محاولات الاستحواذ اللاحقة، وربما عبّرت عنه بصورة أعمق تلك الجملة المنسوبة إليه منذ المدرسة: «قبيلتي السودان».

الطريق إلى 21 أكتوبر
في عام 1964م كانت الحرب في جنوب السودان قد اشتدت، وتحولت مشكلة الجنوب إلى مرآة انعكست عليها أزمة الحكم كله؛ سمحت السلطة أولًا بمناقشة القضية، ثم اكتشفت أن النقاش حول الحرب يقود سريعًا إلى سؤال الحرية وطبيعة الدولة، فتراجعت وأوقفت الندوات.
في 10 أكتوبر حاول طلاب جامعة الخرطوم عقد ندوة حول الجنوب فمنعتها السلطات، وفي 14 أكتوبر رفع الاتحاد مذكرة احتجاج، وفي اليوم التالي اعتقلت وزارة الداخلية أعضاء اللجنة التنفيذية؛ اجتمعت قيادة بديلة للاتحاد، ثم انعقدت جمعية عمومية وقررت الأغلبية إقامة ندوة مساء الأربعاء 21 أكتوبر تحت عنوان يدور حول التقييم العلمي لمشكلة الجنوب.
في تلك الأيام كان أحمد قد زار أهله في القراصة، وهنا تقدم الأسرة واحدة من أكثر لحظات السيرة إيلامًا؛ تقول الرواية إنه أخبر خالته بأنه عائد إلى الجامعة لحضور اجتماع مهم، وحاولت أن تثنيه بسبب اضطراب الأوضاع، فسألته عما يريده الطلاب، فأجابها مازحًا: «عايزين نجيب حكومة كويسة»، وعندما أصرت عليه وأبدت خوفها، أجابها بما معناه أن الإنسان لا يعرف أين ومتى يدركه الموت.
ولا حاجة إلى تحويل هذه العبارة إلى نبوءة لم تكن فيها؛ فقيمتها الحقيقية أبسط وأقوى، الأسرة كانت تخشى عليه، وهو كان يرى أن واجبًا ينتظره في الجامعة، ولذلك عاد.

ندوة التحدي
في مساء الأربعاء 21 أكتوبر 1964م تجمع الطلاب؛ افتتح أنور الهادي عبد الرحمن الندوة، وتحدث بابكر الحاج، ثم تحركت الشرطة لفض الاجتماع.
ما وقع بعد ذلك ظل عرضة لعقود من الروايات المتنافسة، غير أن الوثائق والشهادات المتاحة تسمح بتثبيت نواة صلبة للحادثة؛ استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والعصي والسياط، وتفرق الطلاب إلى مناطق الداخليات، ثم امتدت المواجهة إلى داخلها، وتشير إفادة ضابط القوة نفسه، كما نقلتها المصادر المقدمة، إلى أن بعض أفراد الشرطة اندفعوا نحو الداخليات وحطموا نوافذ.
عند هذه النقطة تغيرت طبيعة الحادث؛ وجد الطلاب والشرطة أنفسهم في مساحة ضيقة، وبدأ رشق الحجارة والاشتباك، ثم وقع إطلاق النار؛ وبيان وزارة الداخلية الصادر في اليوم التالي، وفق النص المنشور في الصحافة والمحفوظ في رواية الأسرة، أقر بإطلاق النار، وقال إن الضابط أمر به بعد إنذار الطلاب، وإن إطلاقه أدى إلى وفاة طالب وإصابة آخرين.
وهذه الجزئية حاسمة؛ لأنها تجعل رواية «الرصاصة الواحدة الطائشة» عاجزة عن تفسير ما وقع، فالقائمة التي جمعتها الأسرة والشهادات تضم مصابين آخرين بالرصاص، بينهم عثمان الأمين البلك، وحسن الوديع عبد الله السنوسي، والأمين عبد الله، وعلي إبراهيم حمور، وخالد الحاج، وغيرهم، وبعض الروايات تتحدث عن إصابات متعددة لدى الشخص الواحد؛ ومن ثم فنحن أمام واقعة إطلاق نار حي، أما زاوية كل طلقة، وهوية مطلقها، ومدى مطابقة إطلاق النار المباشر على الأجساد للأمر الصادر أو تجاوزه، فتظل مسائل تحتاج إلى الوثيقة الجنائية الأصلية والتحقيق الكامل.

لحظة سقوط أحمد
تلتقي عدة شهادات عند المنطقة القريبة من داخلية السوباط؛ يقول المهندس عمر صديق إنه وجد طالبًا ساقطًا، وحاول رفع رأسه، فشعر بالسائل يخرج من مؤخرة الرأس، وعندها أدرك أن ما يسمعه الطلاب رصاص حي، وصاح محذرًا رفاقه.

كان الطالب أحمد قرشي طه.
وتقول الرواية الأسرية إن الرصاصة دخلت من موضع فوق الحاجب الأيمن من الأمام وخرجت من الخلف؛ وهو ما يناقض الرواية التي انتشرت لاحقًا عن أنه كان في طريقه إلى «حمام المساء»، فالأدلة المقدمة تضعه داخل منطقة المواجهة، ومع عدد من الطلاب المصابين في المجال نفسه تقريبًا.
وهذا لا يثبت بذاته أن شرطيًا بعينه اختاره شخصيًا هدفًا واعيًا؛ لكنه يهدم الصورة التي تضعه بعيدًا عن المواجهة ثم تجعله ضحية صدفة مجهولة، والفارق بين الروايتين كبير تاريخيًا وأخلاقيًا.
إلى المستشفى
حمل الطلاب أحمد إلى مستشفى الخرطوم، واستقبله الطبيب المناوب الدكتور أبو زيد عطا المنان، وباشر فحصه ثم أعلن أن الشاب فارق الحياة؛ وتقول رواية الأسرة إن الطبيب أخرج بطاقته الجامعية، وكان مكتوبًا عليها: أحمد قرشي طه – كلية العلوم – جامعة الخرطوم.
في لحظة كهذه يتغير معنى الاسم؛ قبل دقائق كان بطاقة طالب، وبعد دقائق سيصبح عنوان بلد.
استدعى الطبيب الدكتور عبد الحليم محمد، مدير المستشفى، ووصل الأطباء والجراحون، وامتلأ المستشفى بالمصابين والطلاب والأساتذة والمواطنين؛ وتورد المادة نصًا منسوبًا إلى التقرير الطبي يفيد بأن الوفاة نتجت عن طلق ناري اخترق مقدمة الجمجمة ونفذ من الخلف، محدثًا تمزقًا في أنسجة المخ والأوعية الدموية أدى إلى الوفاة فورًا.
وتظل النسخة الأصلية من التقرير وثيقة ينبغي البحث عنها إن أمكن؛ فبعض المصادر اللاحقة أشارت إلى تعذر العثور عليها في أرشيف المشرحة، ومع ذلك نُشر نص التقرير في الصحافة المعاصرة بحسب المادة المقدمة، كما تتقاطع شهادات الأسرة وشهود المستشفى حول طبيعة الإصابة وموضعها.

الجثمان الذي تجاوز حدود الأسرة
وهنا تبدأ لحظة جديدة من الحكاية؛ وصل أقارب أحمد إلى المستشفى، وكان بعضهم موجودًا أصلًا بسبب علاج قريب لهم، وتقول رواية الأسرة إن قيادات الشرطة طرحت نقل الجثمان ليلًا إلى القراصة، بينما رفض بعض أفراد الأسرة ذلك.
وفي تلك الساعات وصل الأمام الصادق المهدي إلى المستشفى؛ تفيد رواية الأسرة، ويعززها جانب من شهادة عمر صديق، بأنه حضر ليلًا ثم عاد فجرًا، وتواصل مع أقارب الشهيد والطلاب، ودعم بقاء الجثمان تحت الحراسة حتى الصباح بدل إخراجه بعيدًا عن الناس.
كانت المسألة أكبر مما يبدو؛ فلو غادر الجثمان ليلًا في عربة مغلقة، ربما بقيت وفاة طالب خبرًا يمكن احتواؤه، لكن الجثمان بقي حتى الصباح، وبقي معه الطلاب، وبقيت معه الحقيقة المرئية.

صباح 22 أكتوبر
مع شروق الشمس لم يعد مستشفى الخرطوم مكانًا للعلاج وحده؛ تقاطر طلاب جامعة الخرطوم والمعهد الفني، والأساتذة والمحامون والأطباء والممرضات والسياسيون والمواطنون، وخرج الجثمان على عنقريب مغطى بالعلم السوداني، وبدأ الموكب.
كانت الخطة، وفق بعض الشهادات، أن يمر الجثمان بالجامعة ثم المسجد الكبير، غير أن حركة الشرطة وظروف الطريق غيرت المسار، وانتهى الجمع إلى ميدان عبد المنعم؛ وهناك صلى الإمام الصادق المهدي على أحمد القرشي عليهما رضوان الله، وهي واقعة ثابتة في رواية الأسرة وشهادات متعددة، ومن الصور الكبرى في أكتوبر: شاب من القراصة، طالب علوم، ممدد أمام آلاف الناس، وصلاة جنازته تتحول إلى لحظة سياسية وإنسانية اختفت فيها المسافة بين الأسرة والبلد.
ثم وُضع الجثمان في لوري قاده إدريس حمزة، وتقول شهادته إن الطلاب أحاطوا بالعربة حتى تعذر عليه السير بسهولة، وكان بعضهم يقول لأهل الشهيد: «الجثمان دا ما حقكم براكم»؛ جملة خشنة في ظاهرها، عميقة في معناها، فالأسرة فقدت ابنها، وفي اللحظة ذاتها كان السودان يتبناه.

الطريق إلى القراصة
خرج اللوري من الخرطوم، وكان الخبر قد سبق الجثمان إلى القراصة؛ وصل أحد معارف الأسرة إلى والد أحمد بعد صلاة الظهر، وأخبره بأن الطالب الذي استشهد في الجامعة هو ابنه، وتقول الرواية الأسرية إن الرجل بكى وردد: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ثم طلب من الحاضرين التمهل حتى يبلغ أم الشهيد وأهله ويهيئ الدار لاستقبال الجثمان.
تجمعت القراصة والقرى والكنابي المحيطة بها؛ الرجال والنساء، الأهل والجيران، من عرف أحمد ومن عرف أسرته، ووصل اللوري عصرًا؛ عاد أحمد إلى المنزل الذي خرج منه طالبًا، وعاد هذه المرة محمولًا.

الأب والجرح
بعد أن ألقت الأسرة النظرة الأخيرة، طلب والده أن يكشف وجه ابنه مرة أخرى؛ أراد أن يرى موضع الإصابة، فرفع الغطاء وتأمل وجه أحمد، ثم قال أمام الحاضرين بحسب الرواية الأسرية: «الحمد لله، لقد كان في المواجهة، وأصيب هاهنا»، وأشار إلى موضع فوق الحاجب الأيمن.
يصعب العثور على عبارة تختصر معنى الشهادة عند أب أكثر من هذه؛ فهو لم يكن يبحث عن بطولة مصنوعة، وإنما أراد أن يعرف كيف مات ابنه، وعندما رأى الجرح وجد الطريقة التي يحتمل بها الفقد.

الجنازة التي وسعت حدود القرية
تحرك موكب الدفن إلى مقابر القراصة، وتقول الأسرة إن النساء خرجن مع الموكب في مشهد غير مألوف للمنطقة، واختلط النحيب بزغاريد الطالبات وهتافات الطلاب؛ كان الموت يتحول إلى معنى عام.
وتحفظ الأسرة حضور شعراء وشباب من جيل أكتوبر، وهتافات محمد المكي إبراهيم، وأبيات محمد عبد الحي، وكلمة الأسرة التي ألقاها محمد الأمين صبير، ثم استضافة أهل القراصة للمشيعين حتى ساعات الليل والصباح؛ هناك اكتملت دورة الجسد، فقد ولد في القراصة، وتعلم منها وغادرها، ومات في الخرطوم، ثم عاد إليها وقد تغيرت القرية نفسها.
وبعد أكتوبر صار كثير من أبناء المنطقة، بحسب رواية الأسرة، يكتبون «القراصة» في خانة الميلاد بفخر أكبر؛ فقد دخل اسم القرية التاريخ السياسي للبلاد.

وبعد الدفن؟
هنا تبدأ مأساة أخرى؛ صار أحمد رمزًا، وتراجع الإنسان خلف الرمز، وتنازعته التنظيمات، ونسجت حول موته روايات متضاربة، وظهر حديث «الطلقة الطائشة»، وضعف التوثيق، ومرت أجيال وصلت فيها الحال، وفق شهادات أوردتها الأسرة، إلى أن بعض طلاب جامعة الخرطوم عرفوا اسم «القرشي» من القاعة دون معرفة صاحب الاسم، وأن بعض الطلاب أخطأوا حتى في زمن وفاته.
وفي هذه المفارقة شيء موجع؛ فقد تحفظ الأمة النشيد وتنسى صاحبه، وقد تضع اسم الشهيد على مبنى ثم تفقد سيرته، وقد تحتفل بالثورة أكثر مما تحقق في أسبابها ومعانيها.

الشهيد الذي تأخر تكريمه
تسأل أسرة أحمد، بعد عقود: لماذا ظل توثيق الرجل أقل مما يستحق؟ ولماذا لم يحظ بالتكريم المؤسسي الذي يليق بأول شهداء ثورة أكتوبر وجامعة الخرطوم؟ ولماذا بقي كثير من جرحى تلك الليلة خارج الذاكرة العامة؟
السؤال مشروع؛ فتسمية قاعة باسم الشهيد خطوة من خطوات التكريم، أما التكريم الأعمق فيبدأ من حفظ الحقيقة التي مات داخلها: من كان؟ كيف نشأ؟ ماذا قرأ؟ ما الذي كان يؤمن به؟ لماذا ذهب إلى الندوة؟ كيف أطلقت النار؟ من أصيب معه؟ من أصدر الأوامر؟ ماذا فعلت الدولة بعد الثورة؟ وأين انتهى التحقيق؟
هذه الأسئلة أكرم للشهيد من ألف خطاب احتفالي.

القرشي الذي نحتاجه اليوم
بعد أكثر من ستة عقود، والسودان يعيش حربًا كسرت الدولة والمجتمع ووسعت المقابر ومنافي الناس، يصبح استدعاء أحمد القرشي امتحانًا لذاكرتنا أكثر من كونه طقسًا سنويًا؛ فالقضية التي كانت على منصة ندوة 21 أكتوبر 1964م دارت حول جنوب السودان والحرب والدولة والحرية.
تغيرت الخرائط والفاعلون والأسماء، وبقيت الأسئلة الكبرى على الطاولة: من يملك الدولة؟ كيف تدار التعددية؟ كيف يعود السلاح إلى وظيفته المهنية ويحكم الناس أنفسهم؟ ما العلاقة بين المركز والأقاليم؟ كيف تتوقف الحرب قبل أن تتحول إلى طريقة دائمة لإدارة السياسة؟ وماذا تفعل الشعوب عندما تضيق المؤسسات عن مطالبها؟
لهذا تتجاوز قراءة أحمد استدعاء أثر من الماضي؛ فسيرته تقول شيئًا أكثر إزعاجًا: الوطن الذي مات من أجل حقه في الحرية عاد مرارًا إلى السؤال نفسه، وهذه مسؤوليتنا نحن، وليست مسؤوليته.

الإنسان الذي ابتلع الرمز جزءًا من حكايته
ربما كانت أكبر مظلمة لحقت بأحمد قرشي طه بعد موته أن نجاح الرمز كان كاملًا إلى درجة كاد معها الإنسان يختفي؛ فالقرشي في الذاكرة رصاصة، أما أحمد فكان طفلًا تعلم في الخلوة، ورسّامًا، وخطاطًا، ولاعب كرة، وممثلًا في مسرح مدرسي، وقارئًا للأخبار، وشابًا يعود إلى أمه في القراصة، وطالبًا يحمل كتبه إلى الغرفة رقم 50، وناشطًا دخل المجال العام قبل الجامعة، وطالب علوم ذهب إلى ندوة لأنه رأى أن قضية الحرب والحرية تعنيه؛ ثم جاءت الرصاصة.
من هنا ينبغي أن تبدأ ذاكرة أكتوبر الجديدة؛ من إعادة الإنسان إلى التاريخ، ومن مقاومة الاستحواذ الحزبي على الشهداء، ومن الفصل بين ما تثبته الوثيقة وما تحفظه الذاكرة وما تستنتجه السياسة.
لقد أخذت الثورة أحمد من أسرته، ثم أعادته إليها اسمًا أكبر من البيت والقرية؛ وعندما وقف والده عند الجثمان وقال: «الحمد لله، لقد كان في المواجهة»، ربما اختصر، من غير أن يدري، أكثر ما ينبغي أن يبقى من سيرة ابنه: أحمد لم يكن يبحث عن الموت، وإنما اختار أن يكون حاضرًا في قضية رأى أنها تستحق حضوره، وهناك أدركته الرصاصة.

أما السؤال الذي بقي حيًا، فهو لنا نحن: ماذا فعلنا بالسودان الذي مات أحمد قرشي طه وهو يحلم أن تكون له «حكومة كويسة»؟

عروة الصادق
حفريات أكتوبر.. الثورة التي ما زالت تسألنا
orwaalsadig@gmail.com
@orwaalsadig — X | Facebook | Telegram | TikTok | LinkedIn

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة