أعمدة ومقالات

سر الفشل الخارجي غير المسبوق لحكومة البرهان

شاهيناز القرشي

لماذا تعاني حكومة البرهان من هذا الفشل المريع في التواصل الخارجي؟ فشل غير مسبوق في العالم، ربما أقرب مثال لما يحدث في السودان هو ما حدث في الصومال بعد الثورة. ولكن هنالك اختلاف جوهري في بدايات الأحداث بين البلدين، حيث كانت حرب الصومال بين الثوار وحكومة سياد بري، وبعدها تحولت لحرب بين الثوار المنتصرين. وفي حالة السودان، يمثل الجيش المؤسسة الرسمية للدولة، والدعم السريع، في أحسن توصيف، يمثل فصيلة من الجيش تخوض حربًا معه. هذا توصيف للصورة العامة دون الدخول في تفاصيل ومغالطات.

نأتي للوضع الخارجي للسودان، حيث سيطرت التفاصيل بشياطينها على العلاقات، وصنعت سحرًا أسود عجزت كل محايات الجيش عن فك طلاسمه. قبل أن أنتقل لتفكيك الفشل الدبلوماسي من وجهة نظري، أحب أن أشير إلى أن ما أوصل الصومال إلى الحالة التي عُرفت بـ(الصوملة) لم يكن الثورة المسلحة، بل الحرب بين الفصائل التي انتصرت على الحكومة، وهذا يشبه الحرب الحالية في السودان والحرب المتوقعة (الكرامة 2)، حرب بين مكونات كانت جبهة واحدة.

بدأت التعقيدات في العلاقات الخارجية مع بداية نظام الكيزان، وفي القصص التي يقدمها للعالم منذ 1989، وتفاقمت عندما بدأوا في ارتكاب الجرائم العابرة للحدود. كانوا حكومة تفتقد للاتساق بين الأفعال والخطاب المبرر أو النافي لهذه الأفعال، وعندما يواجههم العالم أو المعارضون لهم بالحقائق، بل ويقدمون المعلومات الواقعية ضدهم، تتهمهم حكومة الكيزان بالخيانة والعمالة والتآمر.

وطالما أن حكومة البرهان تسير على نفس المنهج، فلن تجد قبولًا خارجيًا، حتى وإن طعّمت حكومتها وحاضنتها بشخصيات كانت تُحسب على المعارضة يومًا. فشخصية كان لها ثقلها، مثل محمد جلال هاشم، تحولت لحالة الطفو وانعدام الوزن بمجرد تبنيها لأفكار الجيش، والحركات المسلحة التي كانت تحظى ببعض الدعم الخارجي والقبول لحقت بمحمد جلال هاشم في طفوه العميق بمجرد دعم سياسات الكيزان، ومن قبلهم كثيرون من الذين استقطبتهم أجهزة الكيزان في محاولة لتسويق نظامهم، وكانت النتيجة صفرًا؛ لأن المشكلة ليست في الشخصيات التي تحمل سياسات الكيزان، إنما المشكلة في السياسات والأفكار والأسلوب، المشكلة في المؤسسات التي تدير الدولة بفسادها وولاءاتها وتحالفاتها. المشكلة أعمق من أن تُحل بترميز تضليلي يدهن وجه الكيزان بورنيش العلمانية. المشكلة في أيديولوجية الإسلاميين، والتي يقوم عليها وجودهم، وتتلخص كلها في العداء والرفض للآخر، أو إجباره على السير في طريقهم بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.

لذلك، عندما يذهب الجيش السوداني للأمم المتحدة ويحاول أن يقدم نفسه كجيش شرعي وطني يخوض حرب الكرامة ضد متمردين، متجاهلًا أن الدول التي تستمع إلى قصته لديها قصتها الخاصة، المدعومة بالمعلومات الاستخباراتية الاستباقية المأخوذة من مراقبة الاتصالات الداخلية بين الكيزان وشخصيات قيادية في الجيش، والاتصالات الخارجية والتعاملات والتحالفات، والحركة التجارية والمالية والتصريحات، وهذه الدول كان لديها خطط لتبادل المصالح قدمتها لحكومة الثورة، ويعلمون ما الذي يعرقلها، ولماذا توقفت، ومن أوقفها، ولصالح من. ويأتي السفير الحارث بكل سذاجة ليقدم لهم قصصًا وحكايات في الأمم المتحدة لا تصلح حتى كبديل لقصص الأحاجي الخرافية.

لن تجد حكومة البرهان قبولًا ما لم تغيّر سياسات الكيزان، وتُلغِ أيديولوجيتهم وتتخلص منها ومنهم بشكل كامل. وإذا ظل البرهان متمسكًا بها، فلن يجد السودان الاستقرار حتى يحدث التغيير المطلوب بطريقة أو بأخرى، وسيدفع الشعب السوداني وحده ثمنها.

في الختام، سأقول: هنالك دول تتبع منهج السودان، وعلى رأسها أمريكا، تقدم مبررًا لأفعالها، وأنت تعلم أنها لا تتسق مع أهدافها الحقيقية، ولكن لأمريكا قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية، وحتى إخراجية، لقصتها، تجعل من المستحيل أن تجد فيها ثغرات، وبناءً على قصتها تحصل على المساندة والتصفيق. وحتى وإن وُجدت الثغرات، هل توجد دولة قادرة على مواجهة أمريكا؟ حتى وإن كانت قادرة، لن تواجهها؛ لأنها ستحسب الفوائد والخسائر، وأمريكا قادرة على إحداث الكثير من الضرر. بمعنى، عندما تتبنى سياسة، يجب أن تكون قادرًا على تنفيذها وحمايتها والكسب منها. إذا فشلت في كل ذلك، فأنت تتبنى الوهم وليس السياسة، وتقود البلاد لحالة ستُعرف بالكوزنة أو السودنة، على غرار الصوملة.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة