أعمدة ومقالات

بين العقوبات وسردية منع انتصار الجيش: حين تتحول الفرضية إلى حكم..

بقلم السفير الصادق المقلي.
( A )

أثار حديث ضياء الدين بلال عن العقوبات والضغوط الدولية على الجيش السوداني جملة من الأسئلة التي تستحق التوقف، ليس لأن من حق أي كاتب أن يختلف في قراءة مواقف المجتمع الدولي، فهذا أمر مشروع، وإنما لأن بعض الاستنتاجات التي طُرحت قُدمت بوصفها أحكامًا نهائية، بينما هي في حقيقتها فرضيات سياسية تحتاج إلى أدلة وقرائن كثيرة لإثباتها.

و لعل سردية مكافأة الدعم السريع بالهدنة أو التسوية السلمية ،، ظل يرددها الكثيرون من دعاة استمرار الحرب من صحفيين و أمنيين..

فالنوايا ليست معيارا لقياس المواقف. فمن يتمعن جيدا في تفاصيل محاور الرباعية…يدرك تماما ..

هذه المبادرة تضم عضوين..مصر و السعودية.و لا اظن انهما ينخرطان في هذا التمرين الدبلوماسي و ألمسعي السلمي لمكافأة الدعم السريع باي صورة من الصبر ..سيما و أن كلا الدولتين معروف قربهما الحكومة السودانية و حرصهما علي سيادة السودان و سلامة اراضيه و رفضهما المعلن لاي كيانات موازية لمؤسسات الدولة الشرعية و قد اعلنا منذ اليوم الأول عدم اعترافهما بحكومة تاسيس الحاضنة السياسية للدعم السريع.

و هذا في غاية الاهمية.مبادرة الرباعية تنص علي عملية سياسية تقصي منها تماما كلا الجيش و الدعم السريع و تنادي بجيش مهني واحد.

و لعل النص علي انشاء آلية بالتنسيق مع الامم المتحدة لمراقبة الهدنة تزيل اي مخاوف يثيرها البعض عن تعزيز تموضع الدعم السريع و المزيد من تحشيده…أو كما يقول البعض وقف التقدم العسكري للجيش. الفكرة الأساسية التي يطرحها ضياء الدين، بحسب ما ورد في حديثه، تقوم على أن المجتمع الدولي والأطراف النافذة فيه لا تريد انتصار الجيش، وأن تصاعد العقوبات والضغوط يستهدف تحديدًا وقف العمليات العسكرية التي يحقق فيها الجيش تقدمًا ميدانيًا، حتى لا يتمكن من حسم الحرب وفرض شروطه على مستقبل السودان. ووفق هذه القراءة، فإن الغاية النهائية هي فتح الباب مجددًا أمام تسوية سياسية تعيد إدماج الدعم السريع وحلفائه في المعادلة السياسية، بما يخدم مصالح القوى الدولية والإقليمية الداعمة له.
هذه قراءة يمكن طرحها ومناقشتها، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول من فرضية تحتاج إلى إثبات إلى حكم قطعي على نيات المجتمع الدولي.
أولًا: اختزال موقف المجتمع الدولي في تصريح فولكر
أول ما يلفت الانتباه هو الاستناد إلى تصريح سابق لفولكر بيرتس، المبعوث الأممي السابق إلى السودان، باعتباره مفتاحًا لتفسير موقف المجتمع الدولي الحالي.
بصرف النظر عن الموقف من فولكر أو من تصريحاته، فإن الاستناد إلى تصريح قيل في الأيام الأولى للحرب، ثم استخدامه بعد أكثر من ثلاث سنوات لتفسير مجمل مواقف المجتمع الدولي الحالية، يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
الحرب نفسها تغيرت، وموازين القوى تغيرت، وأطرافها تغيرت، والمبادرات الدولية والإقليمية تعددت، كما أن مواقف الدول وتقديراتها ومصالحها لم تكن ثابتة طوال هذه السنوات.
بل إن تحويل عبارة صدرت في سياق زمني محدد إلى قاعدة تفسيرية تفسر كل ما جرى بعد ذلك هو نوع من القفز فوق السياق.
والأغرب أن الموقف من الرجل نفسه بدا وكأنه جزء من الحجة السياسية، من خلال وصفه بـ”سيئ الذكر”. وهذا وصف يمكن أن يكون مفهومًا في خطاب سياسي أو جماهيري، لكنه لا يضيف شيئًا إلى اختبار صحة الفكرة التي قالها. فالصحافة والتحليل السياسي لا يختبران صدقية الشخص من خلال الأوصاف التي نطلقها عليه، وإنما من خلال الوقائع والأدلة.
ثانيًا: السؤال الأهم هو: متى بدأ المجتمع الدولي التدخل لوقف الحرب؟
هنا تظهر مشكلة أكبر في السردية المطروحة.

إذا كان الهدف الحقيقي للمجتمع الدولي هو منع الجيش من الانتصار، فإن السؤال البديهي هو: متى بدأ هذا المخطط؟
فمساعي وقف الحرب لم تبدأ بعد أن أصبح الجيش متقدمًا ميدانيًا في الفترة الأخيرة، وإنما بدأت منذ الأشهر الأولى للحرب.
منبر جدة، الذي جمع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، انطلق مبكرًا جدًا، ثم توالت المبادرات والمساعي: الإيقاد، والمنامة، وجنيف، وغيرها، وصولًا إلى المبادرات الأخيرة والرباعية.
واللافت أن كثيرًا من هذه المبادرات جاء في فترات لم يكن الجيش فيها هو الطرف المتقدم ميدانيًا.
وهنا يصبح التسلسل الزمني نفسه سؤالًا صعبًا أمام فرضية أن العقوبات والضغوط الحالية صُممت أساسًا لمنع انتصار الجيش.
فإذا كانت الغاية هي منع انتصار الجيش، فلماذا بدأت جهود وقف الحرب قبل أن تتبلور صورة الانتصار العسكري الذي يتحدث عنه ضياء الدين اليوم؟
قد يقول قائل إن مواقف القوى الدولية تتغير مع تغير موازين القوى، وهذا احتمال مشروع. لكن عندها يجب أن يُقال ذلك صراحة، وأن تُقدم الأدلة على أن طبيعة السياسة الدولية تغيرت من السعي إلى وقف الحرب إلى السعي تحديدًا لمنع انتصار الجيش.
وهذا شيء مختلف تمامًا عن مجرد القول بوجود عقوبات وضغوط.

ثالثًا: المجتمع الدولي ليس كتلة واحدة
من أكثر الأمور التي تحتاج إلى مراجعة في هذه القراءة التعامل مع “المجتمع الدولي” باعتباره طرفًا واحدًا له عقل واحد ومصلحة واحدة وخطة واحدة.
المجتمع الدولي ليس كذلك.
الولايات المتحدة لها حساباتها، ومصر لها حساباتها، والسعودية لها حساباتها، والإمارات لها حساباتها، والاتحاد الأوروبي له حساباته، والأمم المتحدة لها حساباتها، وحتى الدول التي تتفق على هدف وقف الحرب قد تختلف اختلافًا كبيرًا حول شكل التسوية، ومستقبل الجيش، ومستقبل الدعم السريع، وطبيعة الدولة السودانية بعد الحرب.
ولهذا فإن وجود مصالح متقاطعة بين بعض هذه الأطراف لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة سياسية واحدة تعمل جميع هذه القوى وفقها.
وهنا تظهر أهمية الرباعية نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة