أعمدة ومقالات

مجزرة منطقة الأنصاري.. الطيران المصري يعتدي على السيادة السودانية والدم السوداني يدفع ثمن سياسة الإفلات من المحاسبة

عروة الصادق

على كل ذي عقل ولب وضمير أن يدين بأشد عبارات الإدانة والغضب، الهجوم الجوي الذي استهدف المدنيين السودانيين في منطقة الأنصاري، والذي تنسب المعطيات الميدانية وبقايا القنابل المصرية التي خلفتها الغارات مسؤوليته إلى الطيران الحربي المصري. وما جرى يمثل جريمة جسيمة بحق مواطنين سودانيين وانتهاكًا لحرمة الأرض والسيادة الوطنية، ويستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا يكشف الوقائع كاملة، ويحدد المسؤوليات، ويفتح الطريق أمام المحاسبة.

ولا تزال أعداد الضحايا متباينة بسبب ظروف المنطقة وطبيعة الهجوم وصعوبة الوصول إلى حصر نهائي، فيما تشير شهادات ناجين ومصادر محلية إلى أن عدد القتلى تجاوز مائتي شخص. وهذه الحصيلة، مهما كانت الأرقام النهائية التي سيثبتها التحقيق، تكشف حجم المأساة التي حلت بأسر سودانية فقدت أبناءها تحت القصف وهم داخل أراضي بلادهم.

وتكتسب الجريمة بعدًا سياسيًا أكثر خطورة بالنظر إلى السياق الدولي الذي سبقتها بأيام قليلة. ففي 1 أكتوبر 2026م رفعت واشنطن شروط حقوق الإنسان عن 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر، مستندة إلى اعتبارات الأمن القومي والدور المصري الإقليمي، ثم وقع الهجوم على المنطقة الحدودية السودانية في 10 أكتوبر 2026م. ولا نقدم هذا التتابع الزمني كدليل على علاقة سببية مباشرة بين القرار الأميركي والغارة، إذ لا تتوافر أدلة منشورة تثبت ذلك، لكن تجاهل أثر المناخ السياسي الذي تصنعه الإعفاءات من اشتراطات المساءلة سيكون تجاهلًا للسؤال الأهم: ماذا تفهم الحكومات من رسالة دولية تقول عمليًا إن الأهمية الجيوسياسية قادرة على تخفيف كلفة سجل حقوق الإنسان؟

عندما أسقطت واشنطن شروط حقوق الإنسان عن 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر، كانت ترسل إلى القاهرة رسالة سياسية تتجاوز قيمة الأموال نفسها: الموقع الجيوسياسي قادر على شراء مساحة واسعة من الإفلات من المحاسبة. وبعد أيام جاءت الضربات داخل المنطقة الحدودية السودانية، وتقارير الميدان وشهادات الناجين تتحدث عن مذبحة تجاوز عدد ضحاياها، وفق هذه الإفادات، مائتي شاب.

وهنا تصبح المسألة أكبر من توصيفها كـ«حادث حدودي». فالمؤشرات الميدانية المتعلقة ببقايا القنابل المصرية تضع مسؤولية الطيران المصري في قلب الأسئلة التي يجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة، وتكشف في الوقت نفسه خطورة سياسة إقليمية تختبر باستمرار حدود الصمت الدولي، وتراهن على أن وزن القاهرة في الحسابات الأمنية لواشنطن والعواصم الكبرى سيمنحها مساحة أوسع للحركة من الكلفة التي يمكن أن تترتب على سقوط الدم السوداني.

الخطر يتجاوز الغارة ذاتها إلى البيئة السياسية التي تسمح للقاهرة بالاعتقاد أن انتهاك الأرض السودانية يمكن أن يمر بلا ثمن؛ فعندما تُخفف شروط حقوق الإنسان تحت عنوان المصالح الاستراتيجية، ثم تواجه الوقائع اللاحقة بالصمت أو البيانات الدبلوماسية الباردة، تتآكل المصداقية الأخلاقية للنظام الدولي، ويتحول القانون إلى أداة متفاوتة التطبيق بحسب وزن الدولة وموقعها ومصالح حلفائها.

ومن يعطل شروط حقوق الإنسان اليوم، ثم يصمت غدًا أمام انتهاك سيادة دولة وقتل مدنييها، يصعب عليه أن يقدم نفسه مدافعًا جادًا عن نظام دولي تحكمه القواعد والقانون والمساءلة.

السودان وطن مستقل، وليس حديقة خلفية لمصر، والدم السوداني لا يدخل ضمن بنود المقايضة في الحسابات الأمنية الأميركية أو المصالح الإقليمية المصرية. وأي تصور يرى أن حدود السودان يمكن اختراقها، أو أن مواطنيه يمكن قصفهم، ثم احتواء الأمر بالصمت السياسي أو التفاهمات المغلقة، هو تصور مرفوض وسنواجهه سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا.

كما تقع على السلطات المصرية مسؤولية تقديم تفسير رسمي كامل لما جرى، والكشف عن طبيعة العمليات العسكرية التي نُفذت في المنطقة، وأهدافها وأوامرها وسلسلة القيادة المرتبطة بها. وتقع على سلطة بورتسودان مسؤولية مماثلة في إطلاع السودانيين على حقيقة ما حدث، والكشف عن المعلومات المتوافرة لديها، وتحديد الإجراءات التي اتخذتها لحماية السيادة السودانية وحقوق الضحايا، عوضًا عن ترك دم المواطنين معلّقًا بين الصمت والتحالفات والحسابات السياسية.

ولا يمكن لأي علاقة بين القاهرة وقيادة الجيش السوداني أن تمنح حصانة لمصر تجاه المسؤولية عن أي اعتداء يقع داخل السودان. السيادة لا تخضع للصداقة بين الحكومات، وحرمة الدم لا تتغير بتغير التحالفات. ومن واجب كل سلطة سودانية حماية المواطن أولًا، لأن أي سلطة تعجز عن الدفاع عن حياة مواطنيها وحدود بلادها ثم تتجنب تسمية الانتهاك تفقد جزءًا جوهريًا من معنى السيادة التي تدعي تمثيلها.

ونطالب بتحقيق دولي مستقل وشفاف يشمل موقع الهجوم، وبقايا الذخائر والقنابل، ومسارات الطائرات، وشهادات الناجين، وأعداد الضحايا وهوياتهم، وكل البيانات التقنية القادرة على تحديد الجهة المنفذة وسلسلة المسؤولية. كما نطالب بحفظ الأدلة فورًا ومنع العبث بمسرح الجريمة، وتوثيق الخسائر البشرية والمادية، وإتاحة النتائج للرأي العام السوداني وأسر الضحايا.

ونحمّل المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، مسؤولية سياسية في مراجعة السياسات التي تمنح الأولوية المطلقة للاعتبارات الأمنية على حساب حقوق الإنسان والمساءلة. فالتعامل مع مصر باعتبار دورها الإقليمي مبررًا دائمًا لتخفيف القيود يخلق بيئة محفزة للمخاطرة، ويبعث برسالة خاطئة إلى كل سلطة تعتقد أن أهميتها الاستراتيجية ستوفر لها هامشًا أوسع من المحاسبة.

إن الصلة الزمنية بين قرار 1 أكتوبر 2026م والهجوم الذي وقع في 10 أكتوبر 2026م لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية مباشرة، لكنها تفرض سؤالًا سياسيًا لا يمكن دفنه: هل تؤدي سياسة الإعفاء من شروط حقوق الإنسان إلى تعزيز مناخ تعتقد فيه السلطات المحصنة جيوسياسيًا أن كلفة استخدام القوة خارج حدودها ستبقى محدودة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تواجهه واشنطن بنفس الجدية التي تتحدث بها عن الأمن الإقليمي.

لن نقبل أن يُدفن أكثر من مائتي سوداني تحت ركام السياسة الإقليمية، ثم تتحول جريمتهم إلى هامش في حسابات الدول. ولن يكون بيان أسف دبلوماسي خاتمة لهذه القضية. المطلوب كشف الحقيقة، وتحديد المسؤولية، ومحاسبة من أصدر الأمر ومن نفذه، وضمان عدم تكرار الاعتداء، وتعويض أسر الضحايا وحماية الحدود والمواطنين.

دم السودانيين ليس رخيصًا، وسيادة السودان ليست امتيازًا تمنحه القاهرة أو تسلبه، والموقع الجيوسياسي لمصر لا يمنحها رخصة للقتل أو انتهاك الحدود. ومن يعتقد أن حرب السودان وانهيار دولته يتيحان استباحة أرضه سيكتشف أن ذاكرة الشعوب أطول من حسابات الحكومات، وأن الجرائم التي تمر سياسيًا اليوم تستطيع أن تعود غدًا ملفات للمساءلة والعدالة والتاريخ.

عروة الصادق
مساعد رئيس حزب الأمة القومي
أكتوبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة