أعمدة ومقالات

جنرال زائل وشعب باقٍ.. هل تخسر مصر شعب السودان؟

بقلم أحمد عثمان محمد المبارك

إن ما يجري اليوم في سماء وأرض السودان ليس مجرد ضربة عسكرية عابرة في أزمة مؤقتة، بل هو انزلاق كارثي نحو خسارة لا يمكن تعويضها، ولن تجدي معها لاحقاً كل محاولات التدارك الدبلوماسي. حين يختار صناع القرار في مصر استباحة سيادة السودان، والمشاركة بالفعل أو التواطؤ، في سفك دماء المدنيين العزل استغلالاً لغياب الدولة وارتهان قيادتها العسكرية الهشة، فإنهم يرتكبون خطيئة لا يغفرها التاريخ. وتوهمون في دهاليزهم أنهم تؤمنون عمقكهم الاستراتيجي بربط مصيرهم بجنرال خائر القوى، عاجز حتى عن حماية شعبه وأرضه، ويتناسون أبسط بديهيات الواقع، وهي ان الجنرالات يسقطون والأنظمة تتلاشى، بينما الشعوب وحدها هي التي تبقى، تدون، وتحفظ كل قطرة دم.

​إن الرهان على بقاء الفوضى وعلى استمرار هذا العجز في الخرطوم هو انتحار سياسي معلن، فالسودان ليس فناءً خلفياً ولا حديقة تابعة تُقايض فيها السيادة بصفقات البقاء في السلطة.. فإن هذا الشعب الذي قدّم قوافل الشهداء دفاعاً عن كرامته وتطلعه لدولة مدنية حقيقية كاملة السيادة، لن يقبل بعد اليوم بوصاية من أحد، ولن تنطلي عليه خطابات الأخوة المعلبة وترانيم شعب وادي النيل الواحد التي تساق بينما الصواريخ وشحنات المسيرات المصرية تحرق قراه ومدنه.. فالوعي السوداني اليوم، وتحديداً لدى جيل الشباب المقاوم، تجاوز تماماً عقدة التبعية وبات يحفر في ذاكرته جداراً صلداً من الغضب والريبة تجاه كل من طعنه في ظهره وهو ينزف.

فالتعم القيادة المصرية ​إن العمق الاستراتيجي لا يُبنى بجثث الضحايا ولا على أنقاض البيوت المهدمة، بل يُبنى على ثقة الشعوب ومصالحها العادلة… وحين يدفع المصريين المواطن السوداني العادي إلى أن يرى في مصر خصماً مباشراً وشريكاً في مأساته، فإنهم بذلك تحولون حدودهم الجنوبية من حزام أمان طبيعي إلى جبهة ريبة وعداء مستدام ستدفع مصر ثمنه لعقود قادمة… إن دولة الحكم المدني والمواطنة الحقيقية قادمة إلى السودان لا محالة، وحين تنهض هذه الدولة وتسترد كامل سيادتها وقرارها الوطني، ستستفيق القاهرة لتجد نفسها قد ربحت ولاء رجل زائل وخسرت في المقابل شعباً بأكمله كان يمكن ان يكون لها درع وسند. فالشعوب الحرة قد تصبر على جراحها، لكنها أبداً لا تنسى من استرخص دماءها وباع كرامتها في سوق الصفقات الرخيصة.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة