اخبار السودان

بيان مفتوح صادر عن منتدى التحول المدني والدستوري في السودان (CCF–SD)

إلى الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، وإيقاد، والأمم المتحدة، والحكومة المصرية، والرأي العام السوداني والإقليمي

شمال الوادي.. عندما تصبح حياة السودانيين أقل وزنًا من حسابات الدول، يصبح الصمت جزءًا من الجريمة

تأخرنا في إصدار موقفنا لأن الاتهام يُبنى على التحقق؛ وبعد مراجعة ما توفر من أدلة نقول إن القضية تجاوزت مرحلة الشبهة، ويستحيل اختزالها في غارة مجهولة المصدر

14 أكتوبر 2026م

تأخر منتدى التحول المدني والدستوري في السودان عمدًا في إصدار موقف نهائي من القصف الذي استهدف تجمعات المعدّنين السودانيين في منطقة شمال الوادي؛ وقد جاء هذا التأخير انطلاقًا من إدراكنا لجسامة ما حدث، وابتعادًا عن مجاملة أي دولة أو التردد في تسمية الأشياء بأسمائها، إذ يرى المنتدى أن اتهام دولة باستخدام قوتها العسكرية ضد مدنيين سودانيين أمر بالغ الخطورة، ويقتضي تأسيس الموقف على التحقق والأدلة وتعدد المصادر، بعيدًا عن الانفعال والاستقطاب والاكتفاء برواية واحدة، مهما كان حجم الغضب الشعبي مشروعًا.

راجعنا ما أمكن الوصول إليه من الشهادات والتقارير الحقوقية والتغطيات المستقلة، وقارنا الواقعة بسياق العمليات العسكرية والأمنية السابقة في الحزام الحدودي، وقرأنا المواقف الرسمية اللاحقة، وتابعنا ما أعلنته المؤسسة العسكرية المصرية نفسها عن حملتها المستمرة ضد أنشطة التعدين غير المرخص في المنطقة، كما أخذنا في الاعتبار استمرار اختلاف المصادر المستقلة حول الحصيلة الدقيقة للضحايا وبعض التفاصيل الجغرافية.

وبعد هذه المراجعة، يقول المنتدى للعالم والمنطقة بوضوح: أصبح التعامل مع شمال الوادي كحادثة غامضة يمكن دفنها خلف عبارة «ملابسات غير معلومة» أمرًا غير مقبول؛ فالقصف الجوي وقع، وكان مدنيون سودانيون يعملون في التعدين داخل دائرة الاستهداف، وسقط بينهم قتلى وجرحى.

وتتقاطع إفادات شهود وناجين، وتقارير حقوقية متعددة، وسياق عمليات سابقة في المنطقة نفسها، مع إعلان عسكري مصري لاحق عن استمرار حملة واسعة لمكافحة التعدين غير المشروع في ذلك الحزام، فيما غاب حتى الآن نفي فني مفصل ومسنود بالأدلة لمسؤولية الطيران المصري عن الضربات محل الاتهام. كما أن عمليات مصرية سابقة ضد معدّنين في المنطقة خلال يونيو موثقة، وقد أكد مسؤولون مصريون آنذاك تنفيذ ضربات ضد مجموعات تعدين قالت القاهرة إنها دخلت الأراضي المصرية.

وعليه، فإن التقدير المؤسسي للمنتدى، في ضوء الأدلة المفتوحة المتاحة حتى الآن، يرى أن نسبة الهجوم إلى القوات المصرية تجاوزت مستوى الادعاء السياسي غير المسنود، وأصبحت الفرضية الأقوى والأكثر اتساقًا مع مجموعة القرائن المتاحة، بما يستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا قادرًا على تثبيت المسؤولية القانونية والجنائية النهائية.

وهذا هو الحد الذي تسمح به المهنية: نلتزم بما أثبتته الأدلة، ونمتنع عن اختلاق ما يفتقر إلى الإثبات، وفي الوقت نفسه نرفض تحويل التحفظ المهني إلى ذريعة للهروب من الاستنتاج الذي تقود إليه القرائن.

خلاف حدودي لا يمنح رخصة لقتل البشر

مهما تعددت الروايات بشأن الحركة عبر الحدود، ومهما تعقدت المشكلات المتصلة بالتعدين غير المنظم والتهريب والهجرة غير النظامية، تملك أي دولة أدوات قانونية وأمنية عديدة للتعامل معها؛ من التحذير والتوقيف والتحقيق والترحيل وفق القانون، إلى التنسيق الحدودي والملاحقة القضائية.

أما إسقاط الذخائر على تجمعات بشرية، إذا ثبتت المسؤولية عنه، فيبقى استخدامًا للقوة يستوجب المساءلة، ولا يكتسب المشروعية بإطلاق وصف «التعدين غير القانوني» على الضحايا. فالإنسان يحتفظ بحقه في الحياة حتى إذا عبر منطقة حدودية متنازعًا عليها أو مارس نشاطًا مخالفًا للقانون، والمدني يحتفظ بحمايته القانونية مهما اختلفت الدولة معه بشأن الترخيص أو الموقع أو المورد. وهذه قاعدة قانونية وأخلاقية واضحة لا تحتاج إلى تبرير سياسي.

ونقول للقاهرة: البيان الغامض عاجز عن الإجابة

إعلان المؤسسة العسكرية المصرية تنفيذ عمليات لحماية الحدود والموارد يترك الأسئلة الأساسية مفتوحة؛ فالمطلوب معرفة ما إذا كانت طائرات مصرية شاركت في الضربات التي أصابت تجمعات المعدّنين، وتحديد الإحداثيات الدقيقة للأهداف، وطبيعة المعلومات الاستخبارية التي سبقت القصف، والقواعد التي حكمت استخدام القوة، ومدى تقييم وجود المدنيين في المواقع، ونوعية الذخائر المستخدمة، ووجود أهداف عسكرية من الأساس.

وإذا كانت القاهرة تنفي المسؤولية، فإن النفي الجاد يقتضي تقديم بيانات الرادار، وسجلات الطيران، وأوامر المهمة، والإحداثيات، والمواد الفنية ذات الصلة إلى تحقيق مستقل؛ فالدولة الواثقة من سلامة موقفها يفترض أن ترى في التحقيق المستقل وسيلة لإثبات روايتها وحسم الشكوك.

الصمت الرسمي السوداني يتجاوز حدود الضعف

يحمّل المنتدى سلطة الأمر الواقع في بورتسودان مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة عن الطريقة التي أُدير بها الملف؛ فتشكيل لجنة داخلية بعد تصاعد الغضب الشعبي يظل خطوة محدودة، خصوصًا عندما تكون الدولة المتهمة حليفًا وثيقًا للسلطة التي تشكل لجنة التحقيق.

وقد أعلنت سلطة بورتسودان لجنة تضم مؤسسات عدلية وأمنية للتحقيق، وأشارت في الوقت نفسه إلى اتصالات بين القيادتين السودانية والمصرية، وهو ما يجعل استقلال التحقيق وشفافيته مسألة مركزية تستوجب ضمانات واضحة.

حماية العلاقة مع دولة جارة لا يمكن أن تأتي على حساب معرفة من قتل المواطنين، والسياسة الخارجية التي تتطلب الصمت عن دم مواطنيها تتحول إلى تنازل عن وظيفة الدولة الأساسية أكثر من كونها سياسة توازن. وإذا عجزت سلطة الأمر الواقع عن حماية السودانيين في أرضهم، فأقل واجباتها تسمية ما حدث والمطالبة بتحقيق مستقل عن حساباتها السياسية وتحالفاتها الخارجية.

السيادة أوسع من علم فوق مبنى

تكشف شمال الوادي المعنى الحقيقي للسيادة؛ فهي حق يتجسد في صون حياة المواطن، وحماية الحدود، وإخضاع الأرض والموارد لقانون وطني واضح، وتمكين الأسرة من معرفة كيف مات ابنها، وقدرة الدولة على مطالبة أي دولة، مهما بلغت قوتها أو وثقت علاقتها بالحاكمين، بالإجابة والمساءلة.

أما تحويل السيادة إلى خطاب يُرفع عند الحاجة السياسية ثم يخفت عندما يصبح المعتدي المحتمل حليفًا، فيفرغ المفهوم من مضمونه. ومن يفصل بين حماية الأرض وحماية الإنسان يفصل السيادة عن جوهرها؛ فالأرض التي يغيب عنها أمن مواطنيها تتحول إلى جغرافيا مفتوحة للقوة.

القضية أكبر من منجم ذهب

يخطئ من ينظر إلى شمال الوادي كقضية هامشية مرتبطة بالتعدين وحده؛ ففي جوهرها أسئلة تتصل بمن يسيطر على الحدود السودانية، ومن يحمي الموارد الطبيعية في مناطق تراجع الدولة، ومن يملك حق استخدام القوة فيها، وما إذا كان انهيار الدولة السودانية يفتح المجال أمام الدول المجاورة لتحويل أحزمتها الحدودية إلى مناطق عمليات أمنية مفتوحة، وما الذي يمنع انتقال هذا النموذج مستقبلًا إلى المياه أو الموانئ أو الأراضي أو طرق التجارة.

عندما تنهار الدولة في الداخل، تبدأ القوى الخارجية في إعادة تعريف حدود المسموح حولها، وهذه واحدة من أخطر النتائج الاستراتيجية للحرب السودانية.

علاقتنا بالشعب المصري تقوم على الاحترام لا العداء

يؤكد المنتدى أن موقفه موجّه إلى الأفعال والسياسات والمسؤوليات، ويحفظ للشعب المصري مكانته وعلاقته التاريخية بالشعب السوداني، ويرفض تحويل هذه الجريمة إلى خطاب كراهية بين شعبين تربطهما الجغرافيا والتاريخ والمجتمع والمصالح.

العلاقات السليمة بين السودان ومصر تُصان بمواجهة الحقيقة، ومحاسبة الخطأ، وتعويض الضحايا، ووضع قواعد تمنع التكرار؛ أما الإنكار والصمت والتعامل مع دم السوداني باعتباره تفصيلًا ثانويًا داخل حسابات الأمن القومي المصري، فتهدد الأساس الأخلاقي والسياسي لأي علاقة قابلة للاستمرار. الصداقة بين الدول لا تمنح القوة العسكرية حصانة من المساءلة.

مطالبنا حاسمة وغير قابلة للمساومة

يطالب منتدى التحول المدني والدستوري بفتح تحقيق دولي أو إقليمي مستقل ذي مكون فني وقضائي في الواقعة، يتجاوز الاستماع إلى الروايات السياسية نحو فحص صور الأقمار الصناعية، وسجلات الطيران والرادارات، وبقايا الذخائر، والإحداثيات، والشهادات، والمواد المصورة، والبيانات الطبية، وتسلسل الأوامر والاتصالات ذات الصلة.

كما ندعو بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن السودان إلى دراسة الواقعة ضمن ولايتها بالقدر الذي يسمح به تفويضها، ونطالب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والاتحاد الأفريقي وإيقاد والجامعة العربية بطلب المعلومات رسميًا من القاهرة وبورتسودان، وتجاوز الاكتفاء بمتابعة البيانات.

وينبغي أن يشمل التحقيق كذلك حسم الموقع الجغرافي الدقيق للضربات بصورة فنية مستقلة؛ فهناك إحداثيات متداولة تضع مواقع من جبل العقيدات جنوب خط عرض 22، وهو ما يجعل مسألة وقوع ضربات داخل الأراضي السودانية قضية قابلة للتحقق الفني. ومع ذلك، يرى المنتدى أن الإحداثيات المتداولة تحتاج إلى تثبيت جغرافي مستقل قبل اعتمادها كحقيقة نهائية.

كما نطالب بتحديد الضحايا والمفقودين والجرحى رسميًا، وحماية الناجين والشهود من أي ضغط، وضمان حقوق الأسر في التعويض إذا ثبتت مسؤولية دولة أو جهة رسمية عن الهجوم.

نحذر من دفن الملف بالتقادم السياسي

شهد السودان عشرات الوقائع التي انفجر حولها الغضب أيامًا ثم ابتلعها حدث جديد، وهذه الواقعة تستوجب مسارًا مختلفًا؛ فالسكوت عن استخدام قوة عسكرية خارجية ضد تجمع من المدنيين، إذا ثبت، ينشئ سابقة أخطر من الواقعة نفسها.

فالرسالة التي قد تصل إلى الدول المحيطة بالسودان هي أن السودان المنهك عاجز عن الرد، وأن مواطنيه يمكن أن يُقتلوا في الأطراف ثم تدخل قضاياهم في ممرات الدبلوماسية المغلقة، وأن السلطة المركزية قد تزن علاقاتها الخارجية قبل أن تزن دماء مواطنيها. وهذه رسالة يجب كسرها الآن.

التقدير الاستراتيجي للمنتدى

يرى المنتدى أن حادثة شمال الوادي ترتبط بالتحول الأوسع الذي يحيط بالسودان؛ فقد أضعفت الحرب مركز الدولة، وجعل الاقتصاد الحربي الذهب موردًا سياسيًا وعسكريًا وإقليميًا، وأصبحت الحدود أكثر نفاذًا، واتسعت حركة القوى المجاورة بمنطق أمني متقدم داخل الفراغ السوداني.

وإذا تعثر السودان في استعادة دولته المدنية الموحدة وسيطرته المؤسسية على حدوده وموارده، فسوف تتكرر أزمات مشابهة بأشكال مختلفة.

وهنا تكمن المفارقة: من يبرر استمرار الحرب باسم «السيادة» ساهم، عبر استمرار الحرب وانهيار الدولة، في إنتاج واحدة من أوسع حالات انكشاف السيادة السودانية في التاريخ الحديث. فالسيادة تحميها دولة شرعية، ومؤسسات دستورية، وحدود مضبوطة، واقتصاد منظم، وعلاقات خارجية مستقلة، وقوة خاضعة للقانون؛ أما الشعارات العسكرية، فتعجز وحدها عن حماية الحدود والمواطن والقرار الوطني.

كلمتنا الأخيرة إلى المنطقة والعالم

انتظر المنتدى قبل إصدار موقفه، أما بعد مراجعة ما أمكن جمعه من شهادات وتقارير وقرائن وسياقات عملياتية، فقد أصبح استخدام اللغة الدبلوماسية المائعة عاجزًا عن وصف خطورة الواقعة.

مدنيون سودانيون تعرضوا لقصف جوي قاتل، والأدلة والقرائن المتقاطعة تجعل المسؤولية المصرية فرضية ثقيلة للغاية، تستوجب تحقيقًا مستقلًا ولا تقبل الدفن تحت تعبير «حادث حدودي».

وإذا كانت القاهرة تنفي مسؤوليتها، ففتح سجلاتها أمام تحقيق مستقل هو الطريق الأكثر قوة لإثبات موقفها؛ وإذا ثبتت المسؤولية، فعليها تحمل نتائجها القانونية والسياسية والإنسانية كاملة. وإذا ثبت أن الضربات وقعت داخل الأراضي السودانية، فنحن أمام اعتداء على السيادة السودانية يستوجب موقفًا واضحًا ومساءلة كاملة، بعيدًا عن أي تبرير أمني.

ونقول لسلطة الأمر الواقع إن دم السودانيين أرفع من أن يدخل في مقايضة بعلاقة خارجية، ونقول للمؤسسات الإقليمية والدولية إن الصمت في مثل هذه الوقائع يفتح الباب أمام تكرارها، ونقول لأسر الضحايا إن الحقيقة ينبغي أن تبقى حية، وأن حقهم في المعرفة والمساءلة والعدالة جزء من حق السودان نفسه في السيادة.

شمال الوادي ليست هامشًا صحراويًا بعيدًا عن السودان؛ إنها اختبار لمعنى أن تكون للسوداني حياة تحميها دولة، وأرض تحكمها سيادة فعلية، ودم محفوظ خارج سوق المقايضات السياسية.

نرفض الحرب مع مصر، ونرفض بالقدر نفسه أي سلام معها يُبنى فوق قبر سوداني مجهول المسؤول.

نريد الحقيقة كاملة، والمسؤولية كاملة، والعدالة كاملة، وضمانًا معلنًا يمنع تكرار هذه الواقعة.

منتدى التحول المدني والدستوري في السودان (CCF–SD)
14 أكتوبر 2026م
ccfsd2021@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة