أعمدة ومقالات

مكيالان سمسم .. وأربعة أجولة من الوجع

أحمد عثمان جبريل

يكتب

❝حين يوصي فتى في السادسة عشرة بسداد دينه، والتصدق بما تبقّى من ماله، ويطلب العفو من رفاقه وهو على حافة الموت، فاعلم أن المأساة تجاوزت موته؛ لقد صار الصغير أكبر من وطنٍ عجز عن حمايته، وصارت وصيته محاكمةً لعالمٍ تركه يواجه الموت كي يطعم إخوته.❞

لم يكن الطيب الهادي يبحث عن كنزٍ يغيّر به العالم.. كان يبحث عن لقمة تسند خمسة أشقاء صغاراً، بعدما غاب الأب والأم، ووجد الفتى نفسه في السادسة عشرة يحمل من أعباء الحياة ما تعجز عنه ظهور الرجال..
خرج إلى حيث تنام الصخور فوق أسرار الأرض، وحيث يصعد الفقراء إلى الجبال، يفتشون في قسوتها عن ذرة ذهب، لعلّها تعود معهم إلى بيتٍ ينتظر الطعام. لكنه لم يعد..

في مقطعٍ يتناقله الناس، يظهر الطيب موصياً رفاقه، كأنما يعتذر عن الرحيل قبل أن يرحل: (أنا عافي عنكم وراضي عنكم، وإنتوا ذاتكم أعفوا لي).. ثم يوصي بسداد ما عليه: مكيالان من السمسم وأربعة أجولة من العيش، ويطلب أن يُتصدّق بما بقي من ماله.

يا الله.. حتى وهو يودّع الحياة، كان يخشى أن يترك في ذمة أحدٍ حقاً، أو في قلب رفيقٍ عتباً. لم يطلب أن ينتقم له أحد، ولم يوصِ بذهبٍ أو بيتٍ أو ثأر؛ أوصى بردّ السمسم والعيش، وطلب العفو، وترك بقية ماله للفقراء.

أيُّ قلبٍ هذا الذي يوشك أن يتوقف، وما زال مشغولاً بحقوق الآخرين؟ وأيُّ حياةٍ تلك التي جعلت فتىً يودّع الدنيا بلغة الديون، قبل أن يتعلّم كل لغات الأحلام؟

تخيّلوا رفاقه حوله.. رجالاً خرجوا معه بحثاً عن الرزق، فإذا بهم شهودٌ على وداعٍ لا تُهيّئهم له أعمارهم. كيف يجيب أحدهم فتىً يحتضر حين يطلب منه أن يعفو عنه؟ كيف يحمل صوته بعد ذلك؟ وكيف يعود إلى أهله، وفي أذنه وصيةٌ لا يستطيع أن يردّ صاحبها إلى الحياة؟

مكيالان سمسم.. وأربعة أجولة من الوجع..
يا لها من تركةٍ صغيرة في حساب الدنيا، ثقيلةٍ إلى حدّ أن وطنًا بأكمله قد يعجز عن حملها!

(1)

لم يكن الطيب استثناءً في وطنه؛ كان مرآةً لجيلٍ يُجبر على الكبر قبل أوانه. أطفالٌ فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وشبابٌ صاروا آباءً لإخوتهم قبل أن يعرفوا كيف يكونون أبناء، وأسرٌ تنتظر من رحلة الرزق ما يسدّ جوعها، ولا تعرف إن كان العائد سيطرق الباب حاملاً الطعام أم سيأتيها خبرٌ يطفئ ما بقي في البيت من ضوء.

(2)

الدهابة ليسوا أرقاماً تُضاف إلى حصيلة الضحايا، ولا أسماءً عابرةً في نشرات الأخبار. إنهم بشرٌ تحفر أيديهم في الأرض، فيما تحفر الحاجة في أرواحهم. ينامون قرب الصخور، ويتسلّقون الجبال، ويطاردون بريق الذهب تحت شمسٍ قاسية، لأن الجوع لا ينتظر استقرار البلاد، ولأن أطفالهم لا يستطيعون تأجيل وجبتهم حتى تنتهي الحرب. وحين يلاحقهم الموت في رحلة الرزق، فأيُّ طريقٍ بقي للفقراء؟

(3)

الأخبار التي تناقلت مأساة المعدّنين أثارت أسئلةً ثقيلة بشأن الغارات التي استهدفت مواقع تعدين في المنطقة الحدودية، وحصيلة القتلى والجرحى ومسؤولية ما جرى. وقد تباينت الأرقام المتداولة، فيما تبقى الحاجة قائمةً إلى تحقيقٍ موثوق يكشف الوقائع ويحدّد المسؤوليات. لا يجوز أن تكون حياة السودانيين هامشاً في حسابات الحدود، ولا أن يُترك ذوو الضحايا بين الروايات المتضاربة. لكل إنسان حقٌّ في الحياة، ولكل أسرة حقٌّ في معرفة كيف غاب ابنها.

(4)

ثم جاء بيان مجلس السيادة السوداني، حاملاً لغة اللجان وتقصّي الحقائق. والتحقيق ضرورة، لكنه لا يكفي وحده لمداواة هذا الجرح. فالبيان الذي لا يضع أمام الناس ما يعرفونه، ولا يشرح ما جرى، ولا يحدد مساراً واضحاً للمحاسبة وحماية المدنيين، يظل (عاجز) لا حول له ولا قوة، و أقصر من حجم الفاجعة.. ماذا تقول اللجنة لأشقاء الطيب؟ هل تستطيع أن تعيد إليهم من كان يحمل عنهم عبء الحياة؟ إن الدولة لا تُختبر في صياغة البيان وحدها، بل في قدرتها على حماية مواطنيها، وكشف الحقيقة، ومنع تكرار المأساة.

(5)

وعلى الجانب المصري، ظلّت أسئلة السودانيين تنتظر إجاباتٍ واضحة بشأن ما حدث للمعدّنين، وما أُعلن عن استهداف مواقع التعدين. فحين تسقط أرواحٌ مدنية، لا تكفي الروايات العامة ولا الاتهامات المتبادلة؛ يحتاج الناس إلى حقيقةٍ موثقة، وإلى موقفٍ يضع حياة البشر في صدارة الأولويات. أمن الحدود مهم، لكن أمنها لا ينبغي أن يحوّل الفقراء إلى أرقامٍ مجهولة، ولا أن يجعل أسرهم تتسوّل جواباً عن مصير أبنائها.

(6)

وبينما كان السودان يحصي وجعه، جاءت الخرطوم بوجعٍ جديد: قُتل مواطنان مصريان وأُصيب ثالث بإطلاق نار في السوق المحلي، وأعلنت السلطات السودانية توقيف مشتبه به، وقالت إن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الحادث ودوافعه. لا يجوز أن نستبق نتائج التحقيق، ولا أن نجزم بأن الجريمة كانت انتقاماً لما حدث على الحدود. لكن تزامن المأساتين يفرض سؤالاً يخيفنا: ماذا يحدث حين تتراكم الدماء، وتسبق الشائعةُ الحقيقة، ويبحث الغضب عن هدفٍ قريبٍ يفرغ فيه ألمه؟

ثلاثة رجالٍ مصريين خرجوا إلى الحياة بأسمائهم وأحلامهم وأرزاقهم؛ انتهت حياة اثنين منهم، وأُصيب الثالث. لهم أهلٌ ينتظرون، وبيوتٌ لن تعود كما كانت، وقلوبٌ لا يعنيها من رفع السلاح ولا ما الذي دار في السياسة؛ كل ما تعرفه أن عزيزاً خرج ولم يعد. لا يجوز أن يصبح هؤلاء امتداداً لوجع الطيب، ولا أن يُحمَّلوا وزر ما لم يفعلوا.

(7)

هنا كان ينبغي للعقل السياسي أن يسبق الرصاصة، وأن يحاصر الغضب بالحقيقة، وأن يحول دون انتقال المأساة من الحدود إلى شوارع الخرطوم، ومن ضحايا إلى ضحايا. لا نعرف بعدُ دوافع الجريمة، لكننا نعرف أن العدالة لا تبدأ بالثأر، وأن التحقيق العادل يحمي المجتمع من اتهام الأبرياء، وأن الصمت والغموض يتركان مساحةً للخوف كي يتضخم. دم السوداني لا يطفئه دم المصري، ودم المصري لا يمحو وجع السوداني. لا يُردّ حقٌّ بإنتاج ضحيةٍ جديدة، ولا تُشفى أسرةٌ مكلومةٌ بإضافة أسرةٍ أخرى إلى قائمة الفقد.

يا طيب.. تركت مكيالين من السمسم وأربعة أجولة من العيش، لكنك تركت لنا ديناً أكبر من كل ما أوصيت بردّه.. تركت سؤالاً عن وطنٍ يضطر فتيانه إلى مغادرة الطفولة بحثاً عن الرزق، ثم لا يجدون في لحظاتهم الأخيرة إلا أن يعتذروا عن ديونهم، ويطلبوا العفو من رفاقهم.

لا نريد أن يتحوّل موتك إلى شعارٍ يُرفع ثم يُنسى، ولا أن تُستغل دماؤك لإشعال كراهيةٍ بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والرزق والجوار.. نريد حقيقةً تُعلن، ومسؤوليةً تُحدّد، وعدالةً لا تنتقي ضحاياها، وسياسةً تفهم أن حماية الإنسان تسبق كل بيان.
فلا تجعلوا مكيالي السمسم وأجولة العيش حكايةً تنتهي بانطفاء التعاطف.. اجعلوها سؤالاً يطارد كل من يستطيع أن يمنع تكرارها: كم طيباً آخر يجب أن يوصي بسداد دينه قبل أن نؤدي نحن ديننا تجاه الحياة؟

ومضة ..

تسجّل ذاكرة الحروب أسماء القادة، وأعداد الجيوش، والحدود التي تبدّلت، لكنها كثيراً ما تنسى آخر كلمة قالها إنسانٌ عاديٌّ وهو يغادر الحياة.. أما الأمهات، فلا تنسى أصوات أبنائها، ولا تفاصيل الوداع، ولا ما بقي لهم من دينٍ صغير أو حلمٍ لم يكتمل.
وقد ينسى العالم اسم المعركة، لكنه ينبغي ألا ينسى فتىً أوصى بردّ مكيالين من السمسم وأربعة أجولة من العيش، ثم طلب العفو.

توقيع أفق الحرف:

أفق يترفق باتساعه ليقول: حين يعجز الوطن عن حماية أبنائه، تصبح وصيةُ طفلٍ محاكمة لضمير من يجلس على كرسي قيادة بلاده، ومن أمر بقصفه، وللعالم أجمع.. وحين يقتل الوجعُ إنساناً، لا تسمحوا له أن يقتل إنساناً آخر.
الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة