أعمدة ومقالات

سيادة السودان ليست ورقة في تحالفات الحرب...القصف ، و صمت السلطات ، و تناقض الخطاب المصري بشأن مثلث حلايب .

بقلم السفير الصادق المقلي.

3 ——- 6

سادسًا

مسؤولية الدولة السودانية بين حماية المواطنين وصون السيادة

إن هذه القضايا تضع الدولة السودانية أمام مسؤوليات لا يمكن التهرب منها. فواجبها الأول هو حماية المواطنين، والثاني هو صون أراضي البلاد، والثالث هو الدفاع عن حقوق السودانيين في معرفة الحقيقة والمطالبة بالإنصاف.
وفي الحادثة الأولى، لا بد من توضيح ما انتهى إليه التحقيق الذي أُعلن عنه، والكشف عن أي نتائج متاحة، ومراجعة الخطاب الرسمي الذي أعقب القصف، بما يضمن ألا يتحول تحذير الضحايا إلى بديل عن مساءلة المسؤولين.
وفي الحادثة الثانية، ينبغي إعلان موقف رسمي واضح، وفتح تحقيق عاجل وشفاف، وتحديد مواقع الضربات والجهة المسؤولة عنها، والكشف عن الحصيلة الحقيقية للضحايا، وإعلان النتائج للرأي العام، واتخاذ خطوات عملية لمنع تكرار ما حدث.
كما ينبغي ألا تتعامل السلطات السودانية مع قضية حلايب بوصفها ملفًا يمكن تجاوزه في الخطاب العام عن العلاقات مع مصر، بل أن تتمسك بحقها في طرح المطالبة السودانية بوضوح عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية المناسبة.
إن حماية السيادة لا تتحقق بمجرد التصريحات، بل بالمواقف والإجراءات التي تثبت أن الدولة لا تتنازل عن حقوق مواطنيها، ولا تتجاهل أرضها، ولا تترك الاعتداءات المحتملة بلا تحقيق أو مساءلة.
كما أن العلاقات الجيدة مع دول الجوار لا تتعارض مع المطالبة بالحقوق؛ بل إن العلاقات المستقرة والمبنية على الاحترام المتبادل تقتضي القدرة على طرح الخلافات بشفافية، بدلًا من تركها تتراكم تحت ضغط المصالح الآنية.
خاتمة
السيادة مبدأ لا يتجزأ
إن القصف الجوي الأول، وما أعقبه من تصريح للبرهان ووعود بالتحقيق لم تظهر نتائجها للرأي العام، ثم التقارير المتعلقة بحادثة القصف الثانية وما أثارته من أسئلة عن مصير الضحايا والمسؤولية عن استهدافهم، كلها تضع الدولة السودانية أمام اختبار جدي في حماية مواطنيها وصون سيادتها.
وفي المقابل، فإن تكرار التصريحات المصرية عن احترام سيادة السودان وسلامة أراضيه، والحديث عن خطوط حمراء، لا يمكن فصله عن استمرار السيطرة المصرية على حلايب وشلاتين وأبو رماد، وهي مناطق يطالب السودان بالسيادة عليها. إن تجاهل هذا التناقض لا يحل القضية، بل يسهم في تكريس الوضع القائم بوصفه أمرًا واقعًا، ويترك انطباعًا بأن هذه المناطق لا تدخل ضمن مفهوم السيادة السودانية الذي تتحدث عنه القاهرة.
ومن حق السودانيين أن يطالبوا الدولة السودانية بتحقيق عاجل وشفاف في حوادث القصف، وأن يطالبوا القاهرة برد واضح على الاتهامات، وأن يتمسكوا في الوقت نفسه بحق بلادهم في طرح قضية حلايب ومساءلة الخطاب المصري عن مدى اتساقه مع الممارسة.
إن تعاطف أي دولة مع السودان في هذه الحرب لا يجوز أن يكون على حساب سيادة السودان وسلامة أراضيه وسلامة مواطنيه. فالدعم الخارجي لا يلغي حق المساءلة، والتحالفات لا تسقط الحقوق، والعلاقات السياسية لا تبرر الصمت عن الاعتداءات المحتملة أو تجاهل قضايا الأرض والسيادة.
السودان ليس مجرد ساحة حرب، ومواطنوه ليسوا أرقامًا في تقارير الأخبار، وأرضه ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه في البيانات الدبلوماسية. وسيادته لا تتجزأ بحسب المصالح، كما أن حق مواطنيه في الحياة والأمن والإنصاف لا ينبغي أن يخضع لحسابات التحالفات.
فإما أن يكون احترام سيادة السودان مبدأً ثابتًا يشمل أرضه ومواطنيه وحقوقه كافة، وإما أن يظل من حق السودانيين مساءلة كل خطاب يرفع شعار السيادة بينما يتجاهل الوقائع التي تمسها على الأرض.

السيادة ليست ثمنًا للتحالفات
إن لبّ المخاوف هنا يتجاوز حادثة القصف ذاتها إلى سؤال أعمق: هل يمكن أن تؤدي حسابات الحرب والتحالفات الإقليمية إلى تراجع الاهتمام بسيادة السودان وحقوق مواطنيه، أو إلى التعامل مع بعض قضاياه الوطنية باعتبارها ملفات يمكن تأجيلها أو التغاضي عنها؟
إن تقدير أي دعم يُقدَّم للسودان في محنته لا يتعارض مع التمسك بحقه في أرضه وكرامة مواطنيه. فلا يجوز أن يصبح الامتنان لموقف سياسي أو عسكري سببًا للصمت عن قصف المواطنين، أو إهمال التحقيق في سقوط الضحايا، أو تهميش قضية حلايب وشلاتين وأبو رماد.رابا
إن تعاطف أي دولة مع السودان ودعمها له في هذه الحرب لا يجوز أن يكون على حساب سيادته وسلامة أراضيه وأمن مواطنيه. فالدعم الخارجي لا يمنح حصانة من المساءلة، والتحالفات لا تسقط الحقوق، والعلاقات السياسية لا تبرر الصمت عن الانتهاكات أو التنازل عن المطالب الوطنية.
قد تتغير المصالح والحسابات السياسية، لكن حقوق المواطنين وأهمية الأرض والسيادة لا ينبغي أن تُترك رهينة لتلك الحسابات. ولذلك، فإن الدفاع عن سيادة السودان لا بد أن يكون مبدأً ثابتًا لا انتقائيًا، وألا يتوقف عند حدود ما تسمح به التحالفات أو تقتضيه ظروف الحرب.
فالسودان ليس مجرد ساحة حرب، وسيادته ليست ورقة في تحالفات الآخرين، ومواطنوه ليسوا ثمنًا لأي دعم خارجي. ومن حق السودانيين أن يقدّروا من يقف إلى جانبهم، وأن يطالبوا في الوقت نفسه باحترام أرضهم وحماية مواطنيهم وصون حقوقهم كاملة، بلا استثناء ولا مساومة..

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة