أعمدة ومقالات

(الكيزان) يطاردون فيديو الصبي.. ويتركون دماء المعدّنين!

أحمد عثمان جبريل يكتب

❝حين تستنفر السياسة للدفاع عن صورة، وتترك الدماء تبحث عمّن ينصفها، يصبح السؤال أكبر من الفيديو.. أيُّ ضميرٍ يرى ما يحرج معسكره، ولا يرى ما يوجع وطنه؟❞

الطيب الهادي.. صبيٌّ خرج يبحث عن رزقه، فإذا بالموت يسبق أحلامه، وتصبح حكايته وجعاً يتناقله الناس. وبحسب ما نُقل عن أسرته، فقد لقي مصرعه، بينما أثار مقطع مصوّر نُسب إليه جدلاً حول هوية الصبي؛ إذ تقول الأسرة إن المقطع يوثّق حادثةً أخرى لصبيٍّ في عمره.

ومن هنا اشتعل الجدل حول هوية الصبي في الفيديو، وهو سؤال يحاول أن يجد لنفسه شرعية حتى تتحول القضية إلى معركة.. لكن السؤال الأثقل: ماذا عن المعدّنين الذين قُتلوا في غارات نُسبت للطيران المصري؟ أين التحقيق، وحق أسر الضحايا في معرفة ما جرى؟

لسنا ضد تصحيح معلومة، لكننا نرفض أن تتحول صورة مختلف عليها إلى ستار يحجب قضية الدماء.. إذا كان الفيديو خطأً، فصحّحوه.. أما القتلى، فمن ينصفهم؟

(1)

يا أيها الكيزان.. إن كان الفيديو لا يخص الطيب الهادي، فأثبتوا ذلك بالدليل، وأنهوا الجدل.. لكن أجيبونا: هل يعود المعدّنون إلى الحياة إذا انتصرتم في معركة على وسائل التواصل؟ وهل تُعفى الحكومة من مسؤوليتها لأن الناس اختلفوا على هوية صبي بمقطع؟ تصحيح الصورة واجب، والتحقيق في الموت واجب لا يسقط بسقوط الأول. لا تجعلوا الحقيقة متراساً يحجب أصحاب الدماء.

(2)

في 25 أكتوبر 2021، أطاح الجيش بالشراكة الانتقالية، واعتُقل قادة مدنيون، وتلقى مسار التحول الديمقراطي ضربة موجعة.. ثم جاءت الحرب، فوسّعت أبواب الموت والنزوح والجوع، بينما انشغل بعض الخطاب بتبرير السلطة أكثر من مساءلتها.. ومع ذلك، ما زال المواطن يسمع شعارات السيادة والاستقرار، بينما يبحث عن الأمان والخبز وحقه في اختيار من يحكمه.. أيكفي اختلافنا مع خصوم الحكومة لتصبح فوق السؤال؟ أخطاء الخصوم لا تمنح السلطة براءة مجانية، والانحياز إلى الدولة لا يعني تسليمها صكاً مفتوحاً على حساب الشعب.

(3)

وفي ملف التفاوض، تتبدل مواقف بعض أنصار المعسكر الواحد بتبدل حسابات القوة.. يصبح التفاوض خيانة حين يُخشى أن ينتقص من النفوذ، ثم يصير ضرورة حين تضيق الخيارات.. أما المواطن فلا يستطيع تعليق حياته حتى يتفق السياسيون على تعريف النصر.. لا نريد تسوية تعيد الاستبداد، بل طريقاً يوقف الحرب ويستعيد الحكم المدني.. من يرفض التفاوض فليقدم بديلاً يحمي الناس، ومن يقبله فليضمن ألا تتحول الطاولة إلى قسمة جديدة للوطن.. الدم السوداني أغلى من مقعد في حكومة، وأثمن من نصر يتباهى به أصحابه فوق الأنقاض.

(4)

أما السيادة الوطنية، فليست كلمة تُستدعى كلما وُجّه نقد إلى الحكومة، ثم تغيب حين يحتاج المواطن إلى حماية ومحاسبة. إذا صحت التقارير عن مقتل المعدّنين في غارات منسوبة إلى الطيران المصري، فالواجب تحقيق وأدلة واضحة وموقف رسمي يجيب عن الأسئلة. لا يجوز الجزم بالمسؤولية قبل ثبوتها، ولا اتخاذ غياب الحسم ذريعة لإهمال القضية.. أين نتائج التحقيق؟ ماذا فعلت الحكومة لكشف الملابسات؟ وكيف ستمنع تكرار المأساة؟ السيادة ليست أن ترفع صوتك باسم الوطن؛ السيادة أن تحفظ حياة أهله، وتصون كرامتهم، وتطلب الحقيقة حين تُراق دماؤهم.

(5)

والصحافة ليست خصماً للدولة حين تسأل، ولا خائنة حين تنتقد الحكومة.. وظيفتها طلب الدليل، لا ترديد البيانات.. إن كانت الحكومة تملك الأدلة، فلتعرضها؛ وإن كانت الرواية المتداولة خاطئة، فلتصححها بالمعلومات الموثقة. أما تحويل الأسئلة إلى تهم في الولاء، فلا يجيب عن سؤال واحد، بل يفتح أبواباً أخرى للشك.. من يثق في حجته لا يخشى السؤال، ومن يطالب الناس بتصديق روايته ينبغي أن يقبل إخضاعها للفحص.

(6)

هنا المفارقة أمام الكيزان: حين يتعلق الأمر بخصومهم، تتقدم الأخطاء إلى واجهة المشهد، وتُفتش الروايات عن كل ثغرة؛ وحين يتعلق الأمر بمن يدافعون عنهم، تصبح المساءلة عبئاً، والنقد مؤامرة، والسؤال خروجاً على الصف.. إننا نرفض ازدواجية تقبل الحقيقة حين تخدم المعسكر وترفضها حين تحرجه.. إن كان المبدأ هو الحق، فليكن على الحليف والخصم؛ وإن كانت حياة السوداني غالية، فلا يتغير وزن دمه بتغير الراية.

(7)

يا أيها الكيزان.. إن أردتم الدفاع عن حكومة الأمر الواقع، فابدؤوا بمطالبتها بما يطالب به أهل الضحايا:( اكشفوا الحقيقة، أعلنوا نتائج التحقيق، حددوا المسؤوليات، وحاسبوا كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون).. لا تجعلوا الطيب الهادي خصماً سياسياً، ولا أسرته ساحة للتشكيك، ولا الفيديو باباً للهروب من ملف المعدّنين.. دافعوا عن الحكومة، لكن طالبوها بأداء واجبها؛ ولا تجعلوا خلافكم مع خصومها ثمناً يدفعه الموتى.. الوطنية لا تُقاس بقدرتك على إنقاذ صورة السلطة، بل بالدفاع عن حق المواطن حين تصبح الحقيقة محرجة لمن تؤيدهم.

ما نود قوله هنا: إننا لن نسمح بأن تتحول دماء المعدّنين إلى هامش في معركة على فيديو، ولن نقبل أن يصبح تصحيح رواية نهاية للسؤال عن الضحايا.. الطيب الهادي ليس مادة للمزايدة، والمعدّنون ليسوا أرقاماً، وأسرهم تستحق الإنصاف.. والسودان ليس ملكاً للكيزان، ولا للجيش، ولا لأي قوة سياسية؛ إنه وطن الناس الذين يدفعون ثمن الحرب، ومن حقهم معرفة ما جرى، ومن يتحمل المسؤولية.

تحققوا من الفيديو وصححوا ما ثبت خطؤه، لكن لا تنسوا الدماء؛ فالقضية لا تنتهي بانفضاض الجدل، وحقوق الضحايا لا تسقط بانشغال الناس.. قد يختلف الناس على صورة، لكن لا يجوز أن يختلفوا على حق القتلى في الحقيقة، وحق أسرهم في العدالة.

ومضة..

اشتعل الحريق في مبنى البرلمان الألماني، الذي أطلق عليه (حريق الرايخستاغ) فسارعت القيادة النازية إلى استثمار أجواء الخوف والاتهامات السياسية لتمرير إجراءات استثنائية قيّدت الحريات ومهّدت لمزيد من القمع.. امتدت آثار الحريق إلى حقوق الناس ومستقبل الدولة.
العبرة أن الحدث الصاخب قد يحجب قضية أوسع تمس حياة المجتمع كله.. وفي السودان، لا ينبغي للجدل حول فيديو أن يحجب السؤال عن المعدّنين، ولا أن يطغى على واجب التحقيق والمحاسبة.. فأخطر ما في الضجيج أن يسمعنا كل شيء، بينما يحجب عنا القضية التي تستحق أن نسمعها.

توقيع أفق الحرف:
أفق يترفق باتساعه ليقول: الحق أبلج، والباطل لجلج.. والعدل ميزان، والكلمة أمانة، والضمير لا يُباع ولا يُشترى.
إنا لله ياخ..
الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة