أعمدة ومقالات

السوق والاقتصاد ونار الأسعار.. حين تبتلع معيشة الناس أحاديث البلابسة

د. الأمين بلال مختار
*alaminmukhtar@hotmail.com
October/17/2026

لم يعد المواطن السوداني يسمع طبول الحرب بقدر ما يسمع أنين بطنه الخاوي، وصراخ أطفاله في صفوف الخبز والدواء وانقطاع الكهرباء.

فيما تعلو أصوات البلابسة في الميديا بالحديث عن الحسم العسكري والانتصارات الوهمية والمؤامرات الخارجية، تمضي الحقيقة في مكان آخر تماماً.. في السوق، في بيت البقالة، في صيدلية الحلة، في موقف المواصلات.

الوطن اليوم ليس في كف عفريت فحسب، بل هو في كف جشع لا يرحم. أسعار تشتعل كل ساعة، جنيه ينهار كل دقيقة، وخدمات تتدنى حتى صارت الرفاهية القصوى هي أن تجد كهرباء وماء ودواء وشبكة اتصالات في نفس اليوم ونفس الساعة.

أولاً: اقتصاد الحرب.. كيف دمر الكيزان ما تبقى؟

منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 وهذه الحرب العبثية التي أشعلوها في 15 أبريل، دمرت الحركة الإسلامية – الكيزان – ما تبقى من اقتصاد السودان تدميراً ممنهجاً.

أين اقتصاد السودان اليوم؟

مصانع الخرطوم وبحري وسوبا توقفت ونهبت.

بنك السودان المركزي فقد السيطرة تماماً وتحول إلى صراف لتمويل الحرب.

موسم زراعي كامل في الجزيرة والقضارف ودارفور ضاع بسبب النزوح وانعدام التمويل والسماد.

ملايين الشباب فقدوا وظائفهم ومصادر رزقهم وتحولوا إلى نازحين ولاجئين في تشاد ومصر وإثيوبيا.

إيرادات الدولة صفر، والجبايات تفرض على المواطن المغلوب في المعابر كأتاوات حرب.

الكيزان لا يهمهم اقتصاد ولا مواطن، ولا يفهمون في اقتصاد الدولة. هم يعتاشون على ما يسميه الاقتصاديون “اقتصاد الحرب” أو اقتصاد الظل:
الدولار يأتي من تهريب الذهب، والذهب يأتي من الدم، والوقود والسكر والدقيق من السوق الأسود، والسلاح من عمولات السمسرة. كلما طالت الحرب، انتفخت كروشهم، وكلما جاع الشعب، شبعوا هم. الحرب بالنسبة لهم مشروع استثماري مربح، وليست أزمة وطنية.

ثانياً: نار الأسعار.. الأرقام التي لا تكذب

كيف تحدث مواطناً لا يملك حق الفطور عن السيادة الوطنية والكرامة والبل بس؟

كيف تطلب منه أن يصبر على الحرب وهو لا يجد حقنة ملاريا لابنه بـ 30 ألف جنيه، أو حبة بنادول؟

دعنا ننزل إلى السوق لغة الأرقام:

كيلو السكر الذي كان بـ 700 جنيه أصبح اليوم بأكثر من 8 آلاف جنيه في بعض الولايات، أصبح حلماً.

رطل اللبن صار ترفاً للأغنياء فقط.

جوال البصل والدقيق تضاعف 10 مرات.

سعر الدواء أصبح لمن استطاع إليه سبيلاً. علاج الضغط والسكري والقلب انعدم، ومن وجد يدفع فيه مرتب شهر كامل.

المدارس أغلقت لأكثر من عامين، جيل كامل ضاع.

المستشفيات بلا أطباء وبلا كهرباء، تعمل بالتبرعات والمبادرات الشبابية.

الخرطوم التي كانت قلب السودان النابض، وصناعية السودان وتجارية السودان، صارت مدينة أشباح تدار بلا حكومة ولا ضمير ولا والي ولا خدمات.

هذا هو الفشل الحقيقي، لا فشل قحت ولا فشل المدنيين كما يروج البلابسة في لايفاتهم. فشل من يحكم ويشعل الحرب ويفشل في توفير لقمة العيش.

ثالثاً: حين تبتلع السوق خطاب البلابسة.. الفجوة الكبرى

البلابسة يعيشون في عالم افتراضي مفصول تماماً عن الواقع. عالم يصنعونه في قروبات الواتساب المغلقة ولايفات التيك توك المدفوعة. يظنون أن الشعب كله يهلل معهم “بل بس”، وأن الشعب كله مسلح ومستنفر.

لكنهم لو نزلوا السوق مرة واحدة، لو سمعوا النساء في أسواق أم درمان ومدني والقضارف يبكين من الغلاء، لو سمعوا الشباب على صفوف الوقود والغاز يسب ويلعن اليوم الذي قامت فيه الحرب، لسمعوا الحقيقة المرة التي لا يريدون سماعها.

الناس لم تعد تريد خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض على القتل. الناس سئمت من خطاب “نبلكم ونبيدكم”. الناس تريد أن تعيش فقط.
تريد أمناً حقيقياً، لا أمن الشعارات في البيانات العسكرية.
تريد لقمة عيش كريمة بلا ذل.
تريد علاجاً لطفلها.
تريد تعليماً لابنها.
تريد عودة إلى بيتها الذي هجرته قسراً.

لا يمكن أن تبني وطناً وشعبك يتسول في دول الجوار، وشبابك يموت غرقاً في البحر المتوسط هرباً من الحرب، وجنيهك لا يساوي الورق الذي يطبع عليه.

أخيراً: الوطن في كف عفريت.. والسلام هو الاقتصاد

إن الخطر الوجودي على السودان اليوم ليس من بندقية الدعم السريع أو بندقية الجيش فقط، بل من هذا الانهيار الاقتصادي المتعمد والمقصود.

دولة بلا اقتصاد هي دولة بلا سيادة. وشعب جائع هو شعب قابل للانفجار في أي لحظة في وجه الجميع، جيش ودعم سريع وكيزان وبلابسة.

التاريخ يعلمنا أن الثورات الكبرى لم تقم بسبب شعارات سياسية، بل قامت بسبب الجوع. والجوع الآن يطرق كل باب سوداني.

الحل ليس في إطالة أمد الحرب عاماً آخر، ولا في فتح جبهة جديدة في كردفان أو دارفور. الحل ليس في شراء مسيرات جديدة بملايين الدولارات من قوت الشعب.

الحل في إيقاف هذه الحرب اللعينة فوراً. إيقاف هذا النزيف الاقتصادي الذي يبتلع كل شيء.

الذهاب إلى سلام حقيقي شامل يوقف القتل، يعيد عجلة الإنتاج، يفتح البنوك والمصانع، يفتح الطرق والموانئ، يعيد السودان إلى حضن العالم والمنظومة المصرفية الدولية، ويحاسب حساباً عسيراً كل من تاجر بقوت الناس ودمهم وذهبهم في سنوات الحرب.

ما عدا ذلك، فكل حديث عن الانتصار والحسم هو حديث فارغ وتخدير مؤقت، لأن الجوع قد هزم الجميع في النهاية، وقد التهمت نار الأسعار والأسواق كل أحاديث البلابسة ولايفاتهم.

ولا يصح إلا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة