أعمدة ومقالات

السيادة السودانية بين مقتضيات الموقف الدبلوماسي وخطورة الخطاب الإعلامي

السفير الصادق المقلي

عطفاً على بيان المؤسسة العسكرية المصرية، وما أثاره من تساؤلات جدية بشأن دقة المعلومات التي تضمنها، وما قد يترتب عليه من تشكيل انطباعات مضللة لدى الرأي العام السوداني والعالمي، فإن الأعراف الدبلوماسية ومقتضيات السيادة الوطنية تستوجب، في مثل هذا الحدث الخطير الذي يمس سيادة السودان وسلامة أراضيه وأمن مواطنيه، تحركاً دبلوماسياً عاجلاً يتناسب مع جسامة الواقعة، لا انتظاراً يمتد إلى اثنتين وسبعين ساعة دون توضيح رسمي مقنع.
وكان المنتظر، في تقديرنا، أن تبادر وزارة الخارجية السودانية إلى إجراء اتصالات عاجلة على أعلى المستويات الدبلوماسية مع القاهرة، بما في ذلك دعوة السفير المصري لدى السودان إلى مقر الوزارة لطلب إيضاحات رسمية، وإبلاغه تحفظات السودان واحتجاجه على ما ورد في بيان المؤسسة العسكرية المصرية، مع تكليف السفير السوداني لدى القاهرة بإجراء مشاورات عاجلة مع الجهات المصرية المختصة، والنظر في استدعائه إلى الخرطوم للتشاور إذا اقتضت تطورات الموقف ذلك.
ذلك أن البيان المصري، بحسب ما يثيره من إشكالات، بدا وكأنه يستبق التواصل الرسمي بين البلدين، بل ونتائج أي تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الواقعة، الأمر الذي يستدعي موقفاً سودانياً واضحاً يحفظ حق الدولة في التثبت من الوقائع، وصون سيادتها، والدفاع عن حقوق مواطنيها.
فسيادة الدول لا تُصان بالصمت، ولا بالتريث الذي يفتقر إلى التفسير، وإنما بمواقف دبلوماسية مسؤولة وواضحة، تحفظ هيبة الدولة وكرامة مواطنيها، دون الإخلال بمقتضيات حسن الجوار والعلاقات التاريخية بين الشعبين السوداني والمصري.
ولعل ما يبعث على بالغ الاستياء والاستنكار، فوق ذلك كله، التصريحات المنسوبة إلى اللواء معتصم عبد القادر، الملحق العسكري السابق، والتي وصف فيها الضحايا بأنهم ينتمون إلى دول في غرب أفريقيا، في وقت لم تكن فيه دماء الضحايا قد جفّت، ولا أحزان الأمهات الثكالى والأسر المكلومة قد هدأت!
فبأي سند جرى تحديد جنسيات هؤلاء الضحايا؟ وعلى أي معلومات أو تحقيقات استند هذا التصنيف؟ وهل يجوز، أخلاقياً أو مهنياً، إطلاق مثل هذه الأحكام في أعقاب مأساة إنسانية لم تتضح جميع ملابساتها بعد؟
إن مثل هذه التصريحات، إن صحت على النحو المنقول، لا تثير التساؤل حول دقتها فحسب، بل حول حساسيتها الإنسانية أيضاً، لما قد تنطوي عليه من استخفاف بمشاعر ذوي الضحايا، وإضعاف للمطالبة بكشف الحقيقة وإنصاف المتضررين.
وبالمثل، فإن ما يدعو إلى الدهشة والاستغراب، ويثير تساؤلات حول صورة الدولة وهيبتها، ما نُسب إلى العميد جمال الشهيد خلال ظهوره على منصة إعلامية من القاهرة، حيث ظل، بحسب ما ورد عن ذلك الحوار الذي امتد لنحو نصف ساعة، يكرر عدم علمه بما إذا كان هناك ضحايا سقطوا في هذه الواقعة، أو ما إذا كانوا سودانيين، بل امتد التشكيك، وفقاً لما نُقل عنه، إلى الموقع الجغرافي الذي شهد الكارثة الإنسانية نفسها!
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن لضابط في الجيش السوداني أن يتناول واقعة بهذه الخطورة أمام الرأي العام، دون معلومات موثقة عن الضحايا أو جنسياتهم أو حتى موقع الحادث، ثم يطرح شكوكاً قد تُفسَّر باعتبارها تشكيكاً في أصل المأساة؟
إن خطورة مثل هذا الخطاب لا تكمن فقط في افتقاره إلى المعلومات الحاسمة، وإنما في النتائج التي قد تترتب عليه؛ إذ يمكن أن تُوظَّف هذه التصريحات، بصرف النظر عن نوايا أصحابها، لمصلحة الرواية المصرية، وفي إضعاف الموقف السوداني المطالب بتحقيق مستقل يحدد المسؤوليات ويكشف حقيقة ما جرى.
ويزداد الأمر خطورة عندما تتقاطع هذه التصريحات مع ما تردد على ألسنة بعض الإعلاميين والخبراء المصريين، ممن ذهبوا إلى وصف الضحايا بأنهم «عصابات إجرامية»، وتبنّوا روايات توحي بأن المنطقة التي شهدت الواقعة تقع ضمن الأراضي المصرية، مستندين في ذلك إلى بيان المؤسسة العسكرية المصرية، وما ورد فيه عن «الحملة الثالثة للحفاظ على موارد ومقدرات الدولة القومية»، وفق الصياغة المتداولة للبيان.
وهنا ينبغي التمييز بين الرواية الرسمية المصرية، وما أضافه إليها بعض المتحدثين في وسائل الإعلام من تفسيرات واتهامات؛ فلا يجوز أن تتحول التصريحات الإعلامية إلى بديل عن الأدلة، ولا أن يصبح توصيف الضحايا أو تحديد موقع الحادث وملكية الأرض مسألة تُحسم عبر الشاشات، بعيداً عن الوثائق والخرائط والاتفاقيات ذات الصلة والتحقيقات المختصة.
والأشد إثارة للقلق أن تصدر من شخصيات عسكرية سودانية تصريحات قد تُستخدم لتعزيز رواية الطرف الآخر، في وقت يُفترض فيه أن تكون الأولوية لكشف الحقيقة، وحماية حقوق الضحايا، والدفاع عن سيادة السودان ومصالحه الوطنية.
فالقضية ليست مجرد خلاف إعلامي عابر، ولا سجال حول روايتين متعارضتين؛ إنها قضية تتعلق بأرواح بشر، وبحدود دولة، وبمسؤولية مؤسساتها عن حماية مواطنيها وصون حقوقهم.
ويبقى السؤال الذي لا يجوز تجاوزه:
لماذا تأخر الموقف الدبلوماسي السوداني اثنتين وسبعين ساعة؟ ومن المسؤول عن تفسير هذا التأخير؟ وكيف يُسمح بأن تتحول مأساة بهذا الحجم إلى ساحة للتصريحات المتضاربة، بينما لا تزال الحقيقة الكاملة غائبة، وحقوق الضحايا معلقة على نتائج تحقيق لم تتضح بعد؟
إن كرامة الضحايا وحرمة الدم السوداني وسيادة الدولة ليست موضوعاً للمزايدات الإعلامية، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية تستوجب الوضوح والمساءلة والاحتكام إلى الحقائق، بعيداً عن التهوين أو التبرير أو استباق نتائج التحقيق.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة