أعمدة ومقالات

​تهميش

​أطياف
​صباح محمدالحسن

​طيف أول:

​ألقيتُ بقميصِ المِداد
على وجهِ أوراقي
فلم تُبصر
ألا ليتَ قلمي لم يعرف البكاءَ على الوطن
لكانَ له السندَ وخفضَ له جناحَ الحنين!!

​والمتابع للخطاب السياسي الأمريكي خلال أسبوع، ومقارنةً بخطاب حكومة بورتسودان، يدركُ أن الرسالة التي وجهها الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس دونالد ترامب لم تُسهم في رتق أوردة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، بل على العكس تماماً، ساهمت في توسيع الفجوة وتعميق حالة الجفاء.
​لكن العناد أو الإعراض الذي تُمارسه واشنطن قد لا يُستهدف به الداخل السوداني فحسب، بل تمتد أبعاده نحو الإقليم فالمملكة العربية السعودية، ما زالت تنشد الوصول إلى حالة من الرضا التام لدى إدارة ترامب.
​وكان لافتاً ما أشرنا إليه قبل أشهر حول وصف ترامب للشيخ محمد بن زايد بأنه “رجل المرحلة في الشرق الأوسط”؛ وهي عبارة لم تكن مجرد إطراء عابر لبن زايد، بل كانت محددًا لقياس مسافة الود بين واشنطن والرياض، الأمر الذي جعل اقتراب الرياض من البيت الأبيض بات يتطلب دفع ثمنٍ أكبر.
​وفي ظل هذا “الجفاء الناعم”، دخلت السعودية في تحدٍ واضح؛ حيث قدمت دعماً مالياً ولوجستياً لميدان الحرب وعقدت صفقات لافتة مع قيادات الدعم السريع لصالح الجيش، وأغمض ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عينيه لفترة دعَم فيها البرهان دون النظر لما هو أبعد.
​وكنا حذرنا سابقاً، إن التورط في دعم البرهان سَيجر حلفاءه إلى مواجهات دولية هم في غنى عنها، وهو السيناريو الذي تتكشف معالمه في الموقف السعودي الحالي.
​وظهر التجاهل الأمريكي لرغبات وتوجهات البرهان جلياً في عدة منابر وتصريحات متتالية. ففي جلسة مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة الماضي، رسم نائب المندوب الأمريكي موقف بلاده بوضوح؛ إذ اعتبر استمرار الحرب في السودان أمراً “غير مقبول”، مشدداً على ضرورة أن يتبنى مجلس الأمن بوضوح وقوة إقامة عملية سياسية تركز على تسوية شاملة وتضمن الحفاظ على وحدة السودان ومؤسسات دولته. ودعا إلى اتخاذ خطوات ملموسة لوقف التدفق المستمر للأسلحة إلى الأطراف المتحاربة وضرورة وصول المساعدات.
​وفي ذات السياق، جاءت تصريحات مسعد بولس بالأمس لتكمل هذه الصورة؛ إذ أعرب عن القلق البالغ داخل مجلس الأمن إزاء تفاقم مجاعة يصنعها البشر جراء تضافر آثار الجفاف مع التداعيات المدمرة للصراع، محارباً الأطراف التي تختار يومياً مواصلة القتال واستهداف المدنيين، والأراضي الزراعية، والأسواق، وعرقلة المساعدات. وأعاد بولس الدعوة لاتفاق الطرفين على هدنة إنسانية تضمن وصول الإغاثة وتدعم جهود “المجموعة الخماسية” لإطلاق حوار مدني وسياسي شامل يقوده السودانيون بأنفسهم.
​و مسعد بولس لم يتحدث بسلبية مباشرة عن رسالة البرهان (خلافاً لما تداولته بعض الوسائط)، لكن المغزى الأهم يكمن في أنه تجاهل التنويه بها إيجاباً. فالرجل قدم دعوة جديدة للأطراف للقبول بهدنة ورسائل البرهان لترامب (تقول لا بتِمشي لا حاجة).
​وهنا يبرز السؤال: هل ينتظر الشعب السوداني الوصول لسلام بتحسّن علاقة واشنطن بالبرهان أم بتحسّن علاقتها بالرياض؟
​فطالما أن ترامب لا يبدي اكتفاءً أو مبالاة بما تعانيه المملكة العربية السعودية والتي كشفت التطورات عن حاجتها للدعم الدفاعي والأمني الأمريكي بما يغنيها عن طلب مساندة عسكرية من مصر أو غيرها فمن المستبعد أن يتأثر الموقف الأمريكي برغبات البرهان أو شروطه.
​وهذا الإهمال الأمريكي المباشر لمشاعر ومطالب حكومة بورتسودان هو ما دفع المندوب الدائم الحارث إدريس إلى رفع السقف واشتراط “نزع سلاح قوات الدعم السريع وتسريحها”؛ وهو شرط لم تشتمل عليه رسالة البرهان، والتي اكتفى فيها بإعلان الاستعداد للانخراط في عملية سلام دون وضع شروط مسبقة. لكن الحارث أراد أن يغطي على تهميش أمريكا،
ولكن إن لم تُصغِ واشنطن لاستجابة الحكومة فهذا يعني إما أنها تنوي تنفيذ خطة بديلة، أو ستمارس ضغطاً أكبر لتحصل على موافقة بلا شروط وتعهدٍ بلا مراوغة.
​طيفأخير:
#لا_للحرب
​قال برنامج الأغذية العالمي إن: السودان ضمن دول يُتوقع أن تتأثر بظاهرة “النينو” هذا العام، ما سيعمق المجاعة التي تعانيها البلاد، ونحتاج بشكل عاجل لـ 134 مليون دولار للتحضير لاستجابة واسعة النطاق لمواجهة الأزمة في السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة