أعمدة ومقالات

رسالة البرهان إلى ترامب... وواشنطن تتمسك بالرباعية! فهل من تفكير خارج الصندوق لإخراج السودان من عنق الزجاجة؟

بقلم السفير الصادق المقلي.

في الوقت الذي تتطلع فيه أنظار السودانيين إلى أي بارقة أمل توقف نزيف الدم وتضع حداً لهذه الحرب المدمرة، جاءت رسالة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتثير تساؤلات جديدة حول مستقبل جهود السلام، وما إذا كانت تحمل تحولاً حقيقياً في موقف الحكومة السودانية، أم أنها مجرد محاولة لإعادة ترتيب أوراق التفاوض دون تغيير جوهري في المواقف والشروط.
وكما أوضحنا من قبل، فإن الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل، لا في العناوين العريضة ولا في عبارات الترحيب بالسلام والاستعداد للتعاون مع الوسطاء.
فقد أعلن البرهان أنه بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معرباً عن التزام السودان بجهود تحقيق السلام التي ترعاها الولايات المتحدة.
وهي رسالة تبدو، في ظاهرها، إيجابية ومنفتحة على المساعي الأمريكية. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا حملت الرسالة من جديد؟ وهل تضمنت تنازلات أو مقترحات عملية يمكن أن تكسر حالة الجمود السياسي والدبلوماسي؟
أين الجديد في رسالة البرهان؟
بحسب ما نُقل عن المستشار الرئاسي أمجد فريد، تضمنت الرسالة مقترحاً لإطلاق مشاورات فنية بمشاركة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لبحث قضايا الرقابة وحماية المدنيين وترتيبات الانسحاب.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التفاصيل.
فمن حيث المبادئ والشروط الأساسية، لا يبدو أن هناك تحولاً جوهرياً في موقف الحكومة السودانية.
ولكن هل كان الهدف من هذه المشاورات الفنية تسهيل التوصل إلى اتفاق ضمن المبادرة القائمة؟ أم فتح مسار تفاوضي موازٍ يقتصر على واشنطن والرياض، بعيداً عن بقية أطراف الرباعية؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق الوقوف عنده.

الرد الأمريكي… لا بديل للرباعية إلا الرباعية

في موقف يعكس تمسك واشنطن بالإطار التفاوضي الذي تتبناه، أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أنها على علم بمقترح البرهان، مؤكدة أن:
الخطة الشاملة التي طورتها الرباعية بالتشاور مع جميع الأطراف هي أفضل طريق للمضي قدماً.

وهذا الموقف، وإن لم يتضمن رفضاً صريحاً لكل ما ورد في مقترح البرهان، فإنه يحمل دلالة سياسية واضحة: واشنطن لا تبدو مستعدة للتخلي عن الإطار الرباعي لصالح ترتيبات تفاوضية بديلة.

هل المشكلة في الرباعية أم في شروط التعامل معها؟
..وهنا نصل إلى جوهر الأزمة.
فقد ظلت الحكومة السودانية تتمسك بجملة من الشروط والترتيبات التي تعتبرها ضرورية لتحقيق سلام مستدام، وفي مقدمتها انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، وضمان أمن المدنيين، وعدم السماح بتحويل الهدنة إلى فرصة لإعادة التموضع العسكري.
وفي المقابل، تركز المبادرة الدولية على وقف القتال، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لعملية سياسية تفضي إلى حكم مدني.
والسؤال هنا ليس بالضرورة: أي الطرفين يتراجع عن موقفه؟
بل: كيف يمكن تحويل هذه المواقف المتباعدة إلى ترتيبات متزامنة، قابلة للتنفيذ والتحقق، تضمن ألا تتحول الهدنة إلى مجرد استراحة محارب، وألا تتحول الشروط المسبقة إلى عقبة دائمة أمام وقف الحرب؟
إن استمرار التمسك بالشروط دون البحث عن آليات عملية لتنفيذها قد يقود إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، مهما تعددت المبادرات وتغيرت أسماء الوسطاء.

التفكير خارج الصندوق… ولكن كيف؟!
في تقديرنا، فإن التفكير خارج الصندوق لا يعني بالضرورة البحث عن وسيط جديد، أو إنشاء منصة تفاوضية أخرى، أو الدخول في مواجهة دبلوماسية مع الرباعية.
بل ربما يبدأ التفكير المختلف من داخل المبادرة نفسها.
فلماذا لا تتقدم الحكومة السودانية بمقترح عملي ومفصل، يربط بين وقف إطلاق النار، والانسحابات العسكرية، والرقابة الدولية أو الإقليمية المتفق عليها، وحماية المدنيين، في جدول زمني واضح ومتدرج؟
ولماذا لا تتحول المشاورات الفنية المقترحة مع واشنطن والرياض إلى أداة لدعم جهود الرباعية، بدلاً من أن تبدو محاولة لتجاوزها؟
ثم لماذا لا يجري الاتفاق على آلية مستقلة وموثوقة للتحقق من الالتزامات المتبادلة، بحيث لا يكون تنفيذ الاتفاق رهيناً بحسن النوايا أو الوعود السياسية وحدها؟
والأهم من ذلك كله: لماذا لا يكون للمدنيين السودانيين، بعيداً عن أطراف الحرب والاستقطاب، دور أصيل في تحديد مستقبل البلاد، بدلاً من اختزال قضية السودان في تفاهمات بين العسكريين والوسطاء الدوليين؟

إن التفكير خارج الصندوق لا يكون بتغيير أسماء المبادرات، وإنما بتغيير طريقة التعامل مع أسباب فشلها.
السودان أكبر من خلافات الوسطاء وأطراف الحرب
إن المأساة السودانية تجاوزت منذ وقت طويل حدود الصراع على السلطة، وأصبحت تهدد بقاء الدولة ومؤسساتها ونسيجها الاجتماعي.

فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من القتلى والنازحين والجوعى، ومزيداً من الدمار الذي سيحتاج إصلاحه إلى سنوات طويلة، حتى بعد صمت المدافع.
ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على الحكومة السودانية وحدها، بل تشمل قوات الدعم السريع، والقوى السياسية والمدنية، والأطراف الإقليمية والدولية التي تمتلك القدرة على التأثير في مسار الحرب والسلام.
ولا يمكن لأي مبادرة أن تنجح إذا لم تقترن بالتزامات متبادلة، وضمانات تنفيذ حقيقية، ومحاسبة واضحة على الانتهاكات.
كما أن أي تسوية تتجاهل جذور الأزمة السودانية، وفي مقدمتها قضية الحكم المدني، ووحدة المؤسسة العسكرية، والعدالة، والمواطنة المتساوية، قد تنجح في إيقاف القتال مؤقتاً دون أن تؤسس لسلام مستدام.
وأخيراً… هل وصلت الرسالة؟!
إن تمسك واشنطن بالرباعية، في مقابل محاولة البرهان طرح آلية فنية جديدة، يكشف عن معضلة سياسية ودبلوماسية لا يمكن تجاوزها بمجرد تبادل الرسائل والتصريحات.
فإذا كانت الحكومة السودانية جادة في الانفتاح على جهود السلام الأمريكية، فإن التحدي الحقيقي أمامها ليس في إقناع واشنطن بإنشاء مسار بديل، وإنما في تقديم تصورات عملية يمكن التفاوض حولها داخل المسار القائم.
وفي المقابل، فإن نجاح الرباعية لا ينبغي أن يقاس بمدى تمسكها بخريطتها وحدها، بل بقدرتها على تحويلها إلى اتفاق قابل للتنفيذ، يستجيب لمخاوف الأطراف ويحمي المدنيين ويفتح الطريق أمام السودانيين لاستعادة دولتهم.
فليس المهم من ينتصر في معركة المبادرات الدبلوماسية، وإنما كيف ينتصر السودان على الحرب نفسها.
وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به:
هل تستطيع الحكومة السودانية، ومعها بقية الأطراف، التفكير خارج الصندوق، وتقديم تنازلات وترتيبات متبادلة تخرج هذا البلد الجريح من عنق الزجاجة؟
أم أننا سنظل ندور في الحلقة المفرغة ذاتها، حيث تتعدد الرسائل والمبادرات، وتتكرر الشروط والاعتراضات، بينما يدفع الشعب السوداني وحده ثمن الوقت الضائع؟
إن السودان لم يعد يحتمل المزيد من إدارة الأزمة… بل يحتاج إلى شجاعة سياسية تنهيها.
والسلام الحقيقي لا يبدأ عندما يفرض طرف شروطه كاملة على الآخرين، وإنما عندما يدرك الجميع أن إنقاذ الوطن أصبح أهم من الانتصار في معركة المواقف.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة