أعمدة ومقالات

حرب الخامس عشر من أبريل: حين تحولت البنادق إلى أداة لتصفية ثورة ديسمبر


د/الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
october/20/2026
منذ اليوم الأول لإطلاق الرصاصة الأولى في الخامس عشر من أبريل، كان الموقف واضحاً لا لبس فيه: هذه الحرب لا مصلحة للوطن في استمرارها، وهذه حرب عبثية وهمجية بامتياز. لم تكن حرب كرامة كما روّج لها تجار الشعارات، ولم تكن حرب تحرير، بل كانت صراعاً عسكرياً خالصاً بين طرفين عسكريين بقوالب سياسية للوصول إلى السلطة.

هذه الحرب ليست معزولة عن سياقها. هي الامتداد الطبيعي والمنطقي لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر. نفس المجموعات التي انقلبت على الانتقال المدني بتخطيط كيزاني خالص، هي التي انقسمت على نفسها بعد أن اختلفت على تقاسم الغنيمة، فدخلت في صراع دموي مستهدفة في المقام الأول القوى المدنية وقوى ثورة ديسمبر المجيدة.

وكان الطرح منذ البداية أن الحرب يجب أن تنتهي على طاولة التفاوض، فكل الحروب في التاريخ تنتهي بالمفاوضات، وكلما طال أمدها زاد ثمنها من دماء الأبرياء. لكن “البلابسة” العوام – تلك الجوقة من المزايدين وهواة الحروب من خلف الكيبورد – ركبوا موجة العناد والكراهية. صدقوا أكاذيب الكيزان وابتلعوا وهمهم، وتبنوا خطابهم المسموم، فأصبحوا أبواقاً تردد دعاية الحرب، وأصبح شغلهم الشاغل تخوين القوى المدنية وتجريمها وشيطنتها، بدلاً من المطالبة بوقف نزيف الدم.

إن أسوأ ما أنتجته هذه الحرب هو عقلية “نهج الغابة” التي سوق لها الكيزان وبلابستهم. عقلية تقوم على خطاب الكراهية والعنصرية وتقسيم السودانيين إلى درجات. بعضهم توهم أن الحرب انتهت لمجرد أن الهدوء النسبي عاد إلى الجزيرة والخرطوم والشمالية والشرق، واعتبر أن ما يجري في دارفور وكردفان لا يعنيه، لأنه بعيد عنه. هذه العقلية الانقاذية المريضة هي التي أقنعت الناس بأن الوطن ليس واحداً،كل يوم يتعقد المشهد الوطني نسبة لتداخل الصراع.داخليآ وخارجيآ.الحقيقة إن هذا الوهم الكبير. الحرب لم تنتهِ.

الحرب لم تنتهِ وذاكرة بعض الناس ضبابية وهشة. المسيرات اليوم تضرب في دارفور وكردفان وتضرب في الخرطوم وتضرب في كل بقاع السودان من كلا الطرفين. هذا وحده يؤكد أن الحرب مستمرة، والخراب مستمر، والموت المجاني مستمر.

وهنا تتحمل المسؤولية كاملة:

يتحملها البلابسة العوام مسؤولية مباشرة وكاملة عن كل موت يحدث اليوم. كل طفل يموت في بري في الخرطوم، وكل طفل يموت في الأبيض، وكل طفل يموت في الضعين، وكل مواطن يموت في الفاشر ونيالا والجنينة والخرطوم وبورتسودان، وكل من يموت في مناجم الذهب وفي طرق النزوح وفي كل أنحاء السودان، يتحمل وزره البلابسة العوام.

يتحملونه لأنهم تحولوا إلى إمعات وأدوات رخيصة، يروجون لدعاة الحرب ويصدقونهم. يتحملونه لأنهم أصبحوا الوقود الإعلامي لمشروع الانتهازيين، من الكيزان وجماعات الموز وقوى المساومة وتجار الحرب الذين يقتاتون على الدم ويرفضون أي حل سلمي.

هؤلاء البلابسة لم يكتفوا بالصمت، بل صفقوا لكل قذيفة، وبرروا كل مجزرة، واعتبروا التفاوض خيانة. فأصبحوا شركاء أصيلين في الجريمة، مسؤولين أمام الله والتاريخ والشعب عن كل قطرة دم سُفكت.

تقسيم الوطن ليس حلاً، وخطاب الكراهية لن يبني دولة، واستمرار الحرب لن ينتصر فيه أحد. المنتصر الوحيد في هذه الحرب هو مشروع تفتيت السودان، والخاسر الوحيد هو الشعب السوداني.

إن الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى هو الوقف الفوري وغير المشروط لهذه الحرب العبثية، والعودة إلى مسار تفاوضي جاد يفضي إلى دولة مدنية ديمقراطية تحترم كل أبنائها، دولة لا مكان فيها للتسلط ولا الابواق ؛ولايصح الا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة