أعمدة ومقالات

عندما تحلق ذبابة السَّلب فوق أبراج العالم العالية؟!

الجميل الفاضل

يكتب:

هي ذبابة، نعم، ذبابة، لا إعصار يقتلع المدن، ولا زلزال يشق الأرض، ولا جرم سماوي يهدد الحياة بالفناء.
ذبابة صغيرة، بالكاد تستوقف العين، يضعها القرآن في قلب واحدة من أكثر المفارقات إدهاشاً: أن يعجز أمامها الطالب والمطلوب معاً، وأن تنكشف حدود القوة عند كائن لا تكاد القوة تراه.
في هذا الانتقال من ضآلة الكائن إلى اتساع الدلالة تكمن الصدمة.
فالإنسان الذي يقيس الأشياء بأحجامها، ويوزع الأهمية بحسب مراتب القوة، يجد نفسه أمام سؤال لا يتناسب حجمه مع حجم ذبابة: ماذا لو لم تكن الأشياء، في ميزان الوجود، على المقادير التي رتّبناها لها؟
لقد بلغ الإنسان المعاصر شأواً بعيداً في تفكيك المادة، وقراءة الشفرة الوراثية، واستكشاف الفضاء، وصناعة الذكاء الاصطناعي.
صار يرى ما لم تكن تراه العين، ويحسب ما لم يكن العقل قادراً على حسابه، ويتدخل في مسارات الطبيعة والحياة بوسائل كانت، حتى وقت قريب، أقرب إلى الخيال.
ومع ذلك، تأتي ذبابة الأمس لتعيد ذات السؤال اليوم.
ليس لأنها تريد أن تهزم العلم، ولا لأن صغرها معجزة بحد ذاته، لكن لأن حضورها في هذا الموضع يقلب ترتيباً مستقراً في وعينا: إذ ليس كل ما صغر شأنه في أعيننا صغرت دلالته، وليس كل ما عظمت قدرتنا عليه قد صار في قبضتنا، وليس اتساع ما نعرفه دليلاً على أننا أحطنا بما لا نعرف.
هنا يستعيد قوله تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قدرته على إزعاج اليقين المريح؛ لا ليطرد الإنسان من مملكة المعرفة، لكن ليوقظه من وهم أن المعرفة قد جعلته سيداً مطلقاً على هذا الوجود.
وبالتالي فإن الصدمة ليست في الذبابة؛ إنما الصدمة في الإنسان نفسه عندما يكتشف أن كائناً اعتاد أن يزيحه عن طريقه بسهولة يستطيع، بمجرد حضوره في سؤال كهذا، أن يعيد ترتيب الطريق برمته.
على أية حال، لم تعد هذه المفارقة بعيدة عن تجاربنا اليومية.
ففي عالم تتشابك فيه الأسواق، وتتداخل فيه النظم التقنية، وتتسارع فيه التحولات المناخية والبيولوجية، تتكرر أمامنا وقائع تذكّرنا بأن امتلاك أدوات التأثير لا يعني امتلاك جميع النتائج.
جاءت جائحة كوفيد-19، مثلاً، لتضع العالم أمام اختبار لم تكن وفرة المختبرات، ولا شبكات الاتصال، ولا قدرات الدول الاقتصادية كافيةً لمنع ارتباكه. أغلقت الحدود، وتعطلت أنشطة اقتصادية واسعة، وتبدلت أنماط الحياة، ووجدت أكثر المجتمعات تقدماً نفسها مضطرة إلى مراجعة حساباتها، فيما كان البحث العلمي ذاته يواصل جهوده لفهم هذا الفيروس الدقيق وكيفية مواجهته.
لم تكن الجائحة إعلاناً عن هزيمة العلم؛ فللعلم إسهاماته الحاسمة في التشخيص والتطوير وإنتاج اللقاحات.
لكنها كشفت أن القدرة على المواجهة لا تعني العصمة من المفاجأة، وأن النجاح في احتواء الخطر لا يعني امتلاك القدرة على منعه في كل مرة.
لكن الأمر لا يقف في ظني عند الأوبئة فقط.
فالتعقيد المتزايد في الأنظمة المالية، وترابط سلاسل الإمداد، واتساع الاعتماد على البنية الرقمية، وما يحيط بالمناخ من تحولات ومخاطر، كلها تطرح سؤالاً مشتركاً: إلى أي مدى نستطيع توقع نتائج تدخلاتنا في أنظمة تتشابك عناصرها، وتتجاوز علاقاتها أحياناً حدود ما نستطيع حسابه؟
المهم، كلما ازدادت قدرتنا على التأثير، ازدادت أهمية السؤال عن حدود هذه القدرة.
وكلما ازدادت أدوات التنبؤ تطوراً، ازدادت الحاجة إلى التمييز بين الاحتمال واليقين، وبين بناء النماذج وامتلاك المستقبل.
إننا لا نواجه هنا مفارقة العلم، إنما مفارقة الإنسان الذي قد يغريه نجاحه بأن يخلط بين فهم بعض القوانين وامتلاك الوجود الذي تعمل فيه تلك القوانين.
ولعل أخطر ما يمكن أن تنتجه المعرفة ليس الجهل، بل الوهم الذي قد ينشأ من النجاح؛ حين تتحول القدرة من وسيلة للفهم والعمل إلى تصور ضمني بأن ما لم نعرفه بعد ليس إلا مسألة وقت، وأن كل مجهول ينتظر دوره كي يدخل في قبضة الإنسان.
وهنا تتشكل أبراج الاستغناء: لا من المعرفة ذاتها، لكن من الاعتقاد بأن المعرفة يمكن أن تستغني عن الاعتراف بحدودها؛ ولا من التقنية، إنما من توهم أن التقنية قادرة على منح الإنسان حصانة من كل ما قد يفاجئه.
فالفرق كبير جدا بين أن نقول إننا نستطيع تفسير ظاهرة ما، وأن نزعم أننا نملك جميع شروطها ومآلاتها.
وبين أن نطوّر وسيلة فعالة للتأثير في الطبيعة، وأن نعتقد أن نتائج استخدامها ستكون كلها قابلة للضبط.
وقد تكون المفارقة الأشد أن الإنسان، كلما تقدم في المعرفة، صار أقدر على رؤية ما لم يكن يعرف أنه يجهله.
إن اتساع الأفق لا يكشف الموجودات وحدها، بل يكشف أيضاً مساحات جديدة من الأسئلة.

من هنا، لا يعود التواضع المعرفي دعوة أخلاقية تُلقى على مسامع العلماء من خارج المختبرات، لكنها قد تصبح ضرورةً من داخل فعل المعرفة نفسه.
فالعلم الذي يعرف حدوده لا ينتقص ذلك من قدرته، وإنما يميز بين ما أثبته وما لا يزال يبحث عنه؛ والعقل الذي يراجع افتراضاته لا يتراجع، إنما يحمي نفسه من أن تتحول نجاحاته إلى حجب تمنعه من رؤية ما وراءها.
لكن هل ينتهي السؤال عند حدود المعرفة البشرية؟ أم أن في الوجود نفسه ما يدعونا إلى إعادة النظر في تصوراتنا عن المعرفة وأدواتها ومصادرها؟
هنا قد تتجاوز المسألة حدود القدرة التقنية على طرح سؤال وجودي أقدم: هل يمثل العالم، في وعينا، مجموع ما نستطيع قياسه وتفسيره، أم أن تفسير الظواهر، مهما اتسع، لا يستنفد جميع الأسئلة المتعلقة بمعناها وموقع الإنسان منها؟
وللحقيقة، ليس المقصود إقامة جدار بين العلم والإيمان، ولا افتراض أن كل ما يعجز العلم عن تفسيره يصبح دليلاً على تفسير غيبي بعينه.
فالمجهول لا يثبت، بمجرد كونه مجهولاً، صحة كل ما يقال فيه.
لكن ثمة فرقاً بين الاعتراف بحدود المنهج في مجاله، وبين تحويل تلك الحدود إلى حكم نهائي على الوجود كله.
فأن نعرف كيف تحدث الأشياء سؤال، وأن نزعم أن ما نعرفه هو كل ما يمكن أن يُعرف سؤال آخر.
وفي الأفق القرآني، تتبدى هذه المسافة في قصص تتجاوز المألوف في علاقة الإنسان بالمعرفة.
ففي قصة موسى والعبد الصالح، لا تتكشف حدود النظر البشري عبر إنكار العقل، وإنما عبر الفارق بين ظاهر الوقائع وما لا ينكشف من دلالاتها إلا في سياق أوسع.
لقد رأى موسى أفعالاً لم يستطع قبولها وفق ما بدا له من ظاهرها، ثم جاء البيان ليكشف عن وجوه لم تكن متاحة له لأول وهلة في لحظة المشاهدة.
وفي قصة الذي عنده علم من الكتاب، يرد مشهد إحضار عرش بلقيس في زمن خاطف، ضمن سرد قرآني يفتح أفقاً للتأمل في تفاوت مراتب العلم والقدرة، وفي إمكانات لا تقاس بالمألوف وحده.
ليس في استدعاء هذين المشهدين ما يجيز تحويلهما إلى نظريات علمية جاهزة، أو اتخاذهما بديلاً من البحث التجريبي.
إنهما يفتحان، في المقام الذي نقرؤهما فيه، سؤالاً أوسع: هل ما ألفناه من وسائل المعرفة وحدودها هو المقياس النهائي لكل ما يمكن أن يكون؟
ومن هنا يكتسب منهج آخر معناه: ألا نقف عند سطح الواقعة، وألا ندّعي في الوقت نفسه امتلاك باطنها كله؛ أن نقرأ ما يظهر، ونفكر فيما يحتمله، ونظل واعين بالمسافة بين التأويل واليقين.
فليس كل ما يتجاوز مألوفنا مستحيلاً، وليس كل ما نتخيله ممكناً، وليس كل ما نجهله سراً كشفناه لمجرد أن أطلقنا عليه اسماً.
إذن دعونا نعود إلى الذباب، الذي يقول تعالى عنه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
ترد هذه الآية في سياقها القرآني حجةً في مواجهة ما يُدعى من دون الله، وتكشف عجزه عن الخلق والاسترداد.
أما استحضارها في واقعنا المعاصر، فيتيح لنا أن نتأمل من جديد العلاقة بين القدرة وحدودها، وبين ما يطلبه الإنسان وما يستطيع بلوغه.
فالطالب، مهما امتلك من الوسائل، لا يتحول بمجرد ذلك إلى مالك مطلق لما يطلب. والمطلوب، مهما بدا قابلاً للإحاطة، قد تتجاوز علاقاته وشروطه ما أحاط به الطالب من معرفة.
ولعل أعمق ما يستوقفنا في العبارة هو أنها لا تضع الضعف في طرف واحد من العلاقة، لكنها تجمع الطالب والمطلوب في ميزان واحد.
وفي ذلك ما يدعونا إلى مراجعة التصور الذي يجعل الإنسان مركزاً مطلقاً، ويجعل العالم موضوعاً مستباحاً لقدرته، وكأن العلاقة بينهما قد حُسمت نهائياً لصالحه.
إن السؤال الذي يصل إلينا ليس مطالبةً للإنسان بأن يتخلى عن المعرفة، أو أن يكف عن البحث، أو أن يستسلم للمجهول. لكنه الدعوة إلى أن يعيد التفكير في موقعه من الوجود: ماذا يعني أن نعرف؟ وماذا يعني أن نقدر؟ وهل تكفي القدرة على الفعل لضمان القدرة على استرداد ما يفلت من أيدينا؟
تلك أسئلة لا يلغيها تقدم العلم، لكنه قد يجعلها أكثر إلحاحاً.
فإذا كانت الذبابة قد وضعت الإنسان أمام عجز المدعوين عن خلقها واسترداد ما تسلبه، فإن عالمنا، بما فيه من أزمات ومفاجآت، يعيد طرح سؤال حدود القدرة بصيغ جديدة، من دون أن يمنحنا حق اختزال كل واقعة في تفسير واحد.
وبالطبع ليس المطلوب أن نخرج من هذا التأمل بحكم على الحضارة الحديثة، ولا بإعلان عجز الإنسان، ولا بمفاضلة جاهزة بين العلم والإيمان. المطلوب أن نستعيد السؤال الذي قد تحجبه عنا وفرة الأدوات، حين نخلط بين القدرة على تفسير العالم والقدرة على امتلاكه.
لقد تغيرت أدوات الإنسان، واتسعت آفاق معرفته، وتبدلت صورة العالم في وعيه؛ لكن السؤال عن حدود الإنسان لم يفقد راهنيته.
بل ربما صار أشد إلحاحاً، لأن ما أصبح قادراً على فعله اليوم قد تجاوز كثيراً ما كان قادراً على تصوره بالأمس.
كما ليس من الضروري أن تكون كل مفاجأة كونية درساً مقصوداً، أو أن تحمل كل أزمة رسالة غيبية محددة نستطيع الجزم بها.
يكفي أن نرى في تكرار انكشاف حدودنا مناسبةً لمراجعة افتراضاتنا عن المعرفة والقوة والسيطرة.
فالإنسان لا يصغر عندما يعترف بأنه لا يحيط بكل شيء، كما أن العلم لا يفقد جلاله حين يميز بين ما يعرفه وما لا يعرفه.
وقد تبدأ الحكمة حين يتوقف النجاح عن كونه ذريعةً للاستغناء، حين يصبح باعثاً على مزيد من السؤال.
لتعود الذبابة، إذن، لا لتنافس الإنسان على مركزه، لكن لتوقظه من الاطمئنان إلى أن المركز قد صار ملكاً خالصاً له.
ويبقى السؤال مفتوحاً: كلما اتسعت يد الإنسان على العالم، هل اقترب من امتلاكه، أم اقترب أكثر من اكتشاف حدود ما يستطيع أن يمتلك وهو يواجه تحدي الأزل: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة