أعمدة ومقالات

أهو سقوط للجنيه من بين أيدينا أم سقوط للانسان فينا؟!

الجميل الفاضل يكتب:

ليس الجنيه السوداني وحده ما يتهاوى؛ ثمة شيءٌ يسقط أيضًا في صلة الإنسان بأرضه، وبعمله، وبغده، وبأخلاقه.. يتآكل هو كذلك معه أو قبله. كأن العملة، وهي تفقد قدرتها على شراء الأشياء، تكشف عن أزمة أعمق: تعبر عن نكوص هذه الأشياء نفسها عن الوفاء بوعدها للإنسان، وعن عجز الثروة في أن تترجم وجودها إلى حياة.
لم يعد الجنيه رقماً تتنازعه شاشات الصرف، ولا ورقةً تتقاصر قدرتها عن استدعاء الخبز والدواء؛ لقد صار هذا الجنيه المتضعضع مرآةً صغيرةً لانكسار وطنٍ واسع، تتدفق موارده في جهة، وتذهب حاجات أهله في جهة أخرى، كأن بين النبع والعطش مسافةً لا تقيسها الجغرافيا، إنما يقيسها هذا الظلم الفاحش.
وهنا، ربما، ينبغي أن نُمعن النظر قليلاً؛ فالأشياء، حين تبلغ أقصى انكشافها، لا تقول دائماً ما يبدو أنها تقوله.
ما الذي يجعل بلداً غنياً بموارده فقيراً إلى هذا الحد في معاناة أهله؟
في السودان، لا تنقص الأرضُ أرضاً، ولا تنقص المياهُ مجاريها، ولا ينقص باطن الأرض ما يمكن أن يُخرجها من ضيق الحاجة إلى سعة الكفاية.
لكن الثروة شيء، ووصول الثروة إلى الإنسان شيء آخر؛ وبينهما تقوم حكاية عنوانها فساد العمران: مَن ينتج؟ مَن يملك؟ مَن يوزع؟ ومَن يقتات من جهد الآخرين دون أن يضيف إلى الحياة شيئاً سوى أوزاره وأثقاله؟
لقد عرفت البلاد، لعقود، كيف تتكاثر مراكز الاستئثار، وكيف تنمو الثروة في ظلال الامتياز، وكيف يُترك المنتجون في الحقول والمراعي والأسواق يواجهون مصائرهم العارية.
ثم جاءت الحرب، فدفعت بهذا الاختلال إلى حافته الدامية؛ أحرقت الحقول، وعطّلت المصانع، وقطعت الطرق، وشرّدت الأيدي التي تعرف كيف تنتج، وأطلقت أيدي الدمار في ما تبقى من أسباب للحياة.
وهكذا، لم يعد السؤال عن الجنيه منفصلاً عن السؤال عن الأرض التي تحمله، ولا عن الدولة التي يُفترض أنها تحمي قيمته، ولا عن الإنسان الذي تتناقص أيامه كلما تناقصت قدرته على شراء ضروراته.
فالعملة، في أحد وجوهها، ليست ورقاً ولا معدناً؛ إنها عهدٌ بين الناس على الثقة.
وبالتالي عندما يختل هذا العهد، لا تفقد العملة بعض أرقامها فحسب، إنما تفقد في الحقيقة شيئاً من قدرتها على حمل الغد إلى الحاضر.
عندها يهرب الناس من النقد إلى ما يظنون أنه أكثر أمناً، وتتصاعد الأسعار، ويتحول الادخار إلى سباق مع الزمن، ويصبح الراتب موعداً جديداً لاكتشاف مقدار ما فقده صاحبه من وزن وقيمة حياته.
لكن أليس في هذا كله ما يستدعي النظر إلى ما وراء الظاهر، من غير أن نتوهم أننا أحطنا بأسراره؟
فالقرآن لا ينظر إلى المال بوصفه رقماً قائماً بذاته، بل يضعه في سياق أوسع من الأمانة والحق والتداول؛ ومن هنا تومض الآية حوله:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
كأن المال، حين يُحبس عن مجاري الحياة، يفقد بعض قيمته؛ وحين تتحول الثروة إلى جزيرةٍ محاطةٍ بفقر الآخرين، تنشأ في جسد المجتمع فجوة لا تسدها زيادة الإنتاج وحدها، ما لم تتغير شروط اقتسام عائداته وثماره.
فالعدل ليس زينةً أخلاقيةً تُضاف إلى الاقتصاد بعد اكتمال حساباته؛ إنه من شروط سلامة دورته نفسها.
فالعمل لا يزدهر بمجرد أن نطلب من الناس المزيد منه، لكن حين يجد العامل في ثمرة جهده ما يصون كرامته، وما يمنحه سبباً معقولاً للإيمان بأن الغد لن يسرق منه ما بذله في يومه هذا.
ومن هنا يمكن أن نقترب من معنى المحق؛ لا بوصفه اسماً غيبياً نعلّقه على كل خسارة، ولا حكماً نوزع به مراتب الرضا والسخط على الناس، وإنما بوصفه ذلك التآكل الذي يصيب الأشياء حين تنفصل عن غاياتها، وتُستنزف أسباب بقائها من داخلها.
قد يتكاثر المال أيضاً ويُمحَق كذلك أثره في الحياة.
وقد تفيض الأرض بمواردها، بينما تجفّ في المجتمع ينابيع الإنصاف.
وقد تتسع الأسواق، لكن تضيق يد المنتج عن بلوغها.
وقد تبدو الدولة قائمةً في صورتها فقط، فيما تتداعى الوظائف التي تمنح وجودها معناه.
إنه محقٌ لا يُقاس دائماً بما يختفي من الأرصدة، لكن بما يتبدد من ثقة، وما ينكسر من روابط، وما يُهدر من طاقات، وما يُغلق من أبواب نحو المستقبل.
ولعلنا هنا نلامس، من بعيد، بعض ما توحي به السنن التي أودعها الله في حركة الحياة: أن للظلم عواقب تتجاوز ضحاياه المباشرين، وأن للفساد قدرةً على تقويض ما يبدو من حوله متماسكاً، وأن المجتمعات قد تحمل في أسباب تداعيها بذوراً زرعتها قديماً، قبل أن يأتي يوم جني ثمارها المرة.
لكننا، مهما اتسعت بصيرتنا، لا نملك أن نحيط بمفاتح الغيب، ولا أن نجعل لكل كارثة تفسيراً إلهياً جاهزاً.
إنما نلتقط فقط من تجليات هذه السنن ما تسمح به التجربة، ونتأمل ما تكشفه الوقائع، ونترك وراء حدود إدراكنا مساحةً لا نملؤها بإدعاء المعرفة.
وللحقيقة، ليس كل فقير ممحوق البركة، ولا كل ثريّ محروم منها؛ وليس الجوع بحد ذاته دليلاً على فساد الجائع، كما أن الوفرة ليست شهادةً بسلامة يد من يملكها.
فكم من مظلومٍ أنقى سريرةً ممن يملك قوته، وكم من أرضٍ أصابها البوار بأيدي من لا يزرعون فيها إلا أسباب الخراب.
ولذلك، حين نتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، لا ينبغي أن نجعل من فقر الناس حكماً على إيمانهم، إنما يجب أن نتساءل عن أنماط الحياة التي تُضيّق على الإنسان، حتى وهو بين موارد وفيرة؛ وعن تلك الغفلة التي تجعل المجتمع قادراً على إنتاج الثروة، وعاجزاً في ذات الوقت عن تحويلها إلى نوع إستقرار وحالة اطمئنان.
أليس من الضنك أن يعمل المرء فلا يكفيه عمله، وأن يزرع فلا يأمن حصاده، وأن يملك وطناً واسعاً ولا يجد فيه موضعاً آمناً لأطفاله؟ أليس من الضنك أن يصبح الغد عبئاً على الحاضر، وأن تتحول الحياة من إمكانٍ مفتوح إلى مجرد محاولات يومية مضنية لتأجيل هاجس الجوع؟
هنا لا يعود استرداد الجنيه عافيةً نقديةً فحسب، بل يصبح جزءاً من استرداد الإنسان لكرامته ولحقه في حياةٍ لا يُستنزف فيها كل يومٍ من أجل البقاء.
غير أن الطريق إلى ذلك لا تفتحه النوايا الطيبة وحدها.
فالبركة، إن أردنا أن نرى تجلياتها في العيش، لا نستدعيها بالكلام عنها؛ إنما بتهيئة شروطها حين يتراجع الظلم، وتُصان الأموال العامة، وتُحارب شبكات الفساد، وتُحمى حقوق المنتجين، وتستعيد المؤسسات قدرتها على العمل، ويُفسح للزراعة والصناعة والتجارة أن تتنفس بعيداً عن لوردات الحرب وسدنة الابتزاز والاحتكار.
وقد تحتاج البلاد، إلى جانب ذلك، إلى سياسات نقدية ومالية رشيدة، وإنتاجٍ حقيقي، ومؤسساتٍ جديرة بالثقة، وسلامٍ يوقف نزيف هذه الموارد والأرواح. على أية حال، فالأخلاق لا تُغني عن العلم، كما أن العلم لا يمنح الظلم براءةً من عواقبه؛ وإنما يلتقي الاثنان حين يصبح تدبير الحياة معرفةً مسؤولةً، وتصبح السلطة أمانةً لا امتيازاً.
ولعل في سيرة عمر بن عبد العزيز ما يستحق التأمل هنا، لا بوصفها حكايةً سحريةً عن مالٍ فاض حتى لم يجد من يأخذه، لكن بوصفها استدعاءً تاريخياً لمعنى رد المظالم وتغيير أولويات الحكم، مع ضرورة التمييز بين ما تثبته الوقائع وما تنقله مثل هذه الروايات.
إذ ليس العدل وعداً بثراءٍ فوري، رغم أنه قد يزيل كثيراً من العوائق التي تجعل الثروة نقمةً على أصحاب الحاجة بدلاً من أن تكون سبباً في كفايتهم.
كما ليس المطلوب بالضرورة أن يعود الجنيه إلى رقمٍ قديم فحسب؛ فالأرقام قد تستعيد بعض عافيتها فيما يبقى الإنسان مكسوراً، وقد تتحسن المؤشرات بينما يظل ميزان الفرص مختلاً.
المطلوب الآن أن تعود للعملة صلتها بما ينبغي أن تمثله: عملٍ منتج، ودولةٍ مسؤولة، ومؤسساتٍ لا تبتلع حقوق الناس، ومستقبلٍ يستطيع المرء أن يخطط له دون أن يشعر بأنه يطارد ظله.
فالبركة ليست أن يكثر ما في اليد بالضرورة، بل ألا يُمحَق ما في الحياة من قيم ومثل ومعانٍ.
المهم، ربما كان الجنيه السوداني، في رحلته من القيمة إلى التآكل، يضعنا أمام مرآةٍ أكبر من حجمه؛ مرآةٍ نرى فيها كيف يمكن لبلدٍ أن يخسر بعض ثروته عندما يخسر شروط صيانتها، وكيف يمكن للإنسان أن يفقد ثقته في المال حين يفقد ثقته في النظام الذي لا يمنح هذا المال قيمته. ثم كيف تبدأ رحلة التعافي حين يُعاد وصل ما انقطع بين المورد والجهد، وبين السلطة والأمانة، وبين الثروة وحق الناس فيها.
عموماً، لا نعرف كل ما تخبئه السنن في مطاوي الغيب؛ لكننا نرى من آثارها ما يكفي لنفهم أن العمران لا يقوم على وفرة المادة وحدها، وأن الظلم ليس خطيئةً تقع خارج الحساب، وأن المجتمعات قد تهدم بأيديها شروط ازدهارها، ثم تبحث في الأرقام عن سرّ انهيارها وتصدعها.
ولذلك عندما ينظر السوداني إلى جنيهٍ لم يعد يشتري له ما كان يشتريه، فربما لا يكون سؤاله الأخير: كم بقي من قيمة العملة؟ لكن: كم بقي قبل هذا من قيمة الإنسان في ميزان وطنه؟
هذا الميزان الذي إذا استقام، وُضعت الثروة في خدمة الحياة، واستعاد العمل معناه، وأمكن للمال أن يعود إلى وظيفته الأولى: أن يكون وسيلةً للنمو، لا مرآةً للانكسار.
أما هذا الجنيه المترنح، فليس مطلوباً منه اليوم أن يحمل وحده أوزار وطنٍ كامل؛ لكنه، وهو يتهاوى، يذكّرنا فقط بأن بعض الانهيارات تبدأ في الحسابات، وبعضها يبدأ قبل ذلك بكثير، حين يفقد الإنسان مكانه في ضمير الدولة، وتفقد الثروة طريقها إلى تنمية متوازنة ترفع الضيم عن وجه الحياة.
فقد كان أول الخيط أن نرى في هذه الورقة الصغيرة وطناً أكبر منها؛ وأن نفهم أن استعادة القيمة لا تبدأ من النقد وحده، ولا من الوعظ وحده، لكن من إعادة بناء الشروط التي تجعل للحياة قيمة، وللجهد ثمرة، وللعدل حضوراً، وللغد باباً مفتوحاً.
فثمة أشياء لا نراها من مفاتيح الغيب، لكننا نرى آثارها حين تتجلى على الأرض؛ وثمة موازين لا نحيط بسرّها كله، غير أن اختلالها يترك علاماته على وجوه الناس، وفي موائدهم، وفي عملاتهم، وفي قدرتهم على أن يقولوا، دون خوفٍ من الغد: ما زال على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة