أعمدة ومقالات

قراءة نقدية في خطاب البرهان بحلفا: هل يعود الوطن أم نعود إلى مربع الانقلاب؟

بقلم السفير الصادق المقلي.

( 1—— 4 )

( A )

حتى لو انتصرت البندقية، فهل تعود الدولة؟ أم نعود إلى مربع انقلاب 25 أكتوبر، ولكن بوطن أكثر دماراً وشعب أكثر فقراً وتشريداً؟

في خطابه الجماهيري بمدينة وادي حلفا، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، أعاد الفريق أول عبد الفتاح البرهان إنتاج الخطاب الذي ظل يردده منذ اندلاع الحرب: الحسم العسكري، والقضاء على التمرد، ورفض الإملاءات الخارجية، والهجوم على القوى المدنية المعارضة، مع وعود باستعادة الدولة وإعادة بناء السودان
ورفع رأسه بين الأمم.

ولا غضاضة في أن يشكر البرهان في خطابه الجارة الشمالية، جمهورية مصر العربية، على ما قدمته للسودان. ولكن ما لا يجوز تجاوزه أن هذا الخطاب جاء في أعقاب الفاجعة التي أودت بحياة عشرات المعدّنين السودانيين قرب الحدود المصرية، بينما دماء الضحايا لم تجف بعد، وأسرهم لا تزال تنتظر الحقيقة والعدالة.

وكان الأحرى والأوجب بالبرهان، وهو رأس الدولة والمسؤول عن حماية مواطنيها وصون كرامتهم، أن يطلع الشعب السوداني على مسار لجنة تقصي الحقائق التي أمر بتشكيلها، وما أنجزته، ومتى يُنتظر إعلان نتائجها، وأن يتناول بوضوح الاتهامات الموجهة إلى الطيران الحربي المصري بتنفيذ الهجوم، دون استباق نتائج التحقيق أو الجزم بمسؤولية لم تثبت بعد.
فكيف يجد البرهان في خطاب حلفا متسعاً لشكر الجارة الشمالية، ولا يجد فيه متسعاً، بالقدر نفسه، لطمأنة أسر الضحايا إلى أن دماء أبنائهم لن تضيع، وأن الحقيقة ستُكشف، وأن المسؤولين عن قتلهم، أياً كانوا، سيخضعون للمساءلة؟
إن الله سبحانه وتعالى أمر من يتولى شؤون الناس بالعدل وأداء الأمانات إلى أهلها. وحماية أرواح المواطنين ليست منّة من الحاكم، وإنما أمانة ومسؤولية. وحسن الجوار لا ينبغي أن يكون على حساب دماء السودانيين، كما أن الحفاظ على العلاقات بين الدول لا يتعارض مع المطالبة بالحقيقة والعدالة.
فالدولة التي نريد استعادتها هي الدولة التي تصون حياة مواطنيها وكرامتهم، لا الدولة التي تطالبهم بالصبر على دمائهم باسم العلاقات الدبلوماسية وحسن الجوار.

وقد أعادني هذا الخطاب إلى آخر الخطابات الجماهيرية لرأس نظام الإنقاذ في الساحة الخضراء، قبيل سقوط النظام. يومها أيضاً كانت البلاد ترزح تحت وطأة الحروب والأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية، بينما كانت السلطة تعد الجماهير بالانتصارات والانفراج القريب.
ولا أقصد بهذه المقارنة التطابق بين الظرفين، وإنما التشابه في لغة السلطة حين تواجه أزمة وطنية عميقة، فتستعيض عن الإجابة عن الأسئلة المصيرية بالتعبئة الجماهيرية والوعود السياسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
متى يدرك البرهان أن المشكلة السودانية أكبر من مجرد تمرد مسلح، وأن الحسم العسكري، حتى لو تحقق، لن يعالج جذور الأزمة التي أوصلت البلاد إلى هذه الكارثة.

أولاً: الحسم العسكري.. ثم ماذا بعد؟
رغم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، وما خلفته الحرب من قتل وتشريد ونزوح ولجوء، وانهيار اقتصادي وخدمي، وتراجع في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، لا يزال البرهان يضع الحرب في إطار خيارين: استسلام قوات الدعم السريع وإلقاء السلاح، أو القضاء عليها عسكرياً.

ولا خلاف على أن جرائم الحرب والانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين تستوجب المساءلة، وأن قيام دولة مستقرة يقتضي احتكار مؤسسة عسكرية وطنية واحدة للسلاح، وإنهاء وجود الجيوش والمليشيات الموازية.
ولكن السؤال: هل يكفي الانتصار العسكري وحده لبناء هذه الدولة؟
لقد عرف السودان حروب التمرد منذ الاستقلال، وخاض الجيش السوداني حروباً طويلة في الجنوب ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. ولم تكن الحلول العسكرية، مهما بلغت قوتها، كافية لإنهاء الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتلك الصراعات.
بل إن بعض الحركات المسلحة ظلت تحتفظ بمناطق نفوذها حتى بعد سقوط نظام الإنقاذ، رغم عقود من القتال.
والأكثر مفارقة أن قوات الدعم السريع نفسها كانت، قبل هذه الحرب، تقاتل جنباً إلى جنب مع الجيش والقوات المساندة ضد حركات التمرد، قبل أن تتحول إلى قوة تنازع الجيش سلطة الدولة.
وهنا تكمن إحدى المآسي الكبرى في تاريخ السودان الحديث: أن الدولة ظلت تعالج أزماتها بتعدد البنادق، حتى أصبحت البنادق نفسها تتنازع الدولة.
فهل يكون العلاج بمواصلة الحرب إلى أجل غير معلوم، أم بمعالجة جذور الأزمة وإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية على قواعد قومية ومهنية، تحت سلطة مدنية دستورية؟
إن الحديث عن السلام لا يعني مكافأة من ارتكب الجرائم، ولا التسامح مع الانتهاكات، ولا التسليم بشرعية المليشيات. بل يعني التوصل إلى ترتيبات أمنية وسياسية تنهي الحرب، وتحفظ وحدة البلاد، وتضمن العدالة وعدم الإفلات من العقاب.
ثانياً: حتى لو انتصر البرهان.. فإن الوطن قد يكون أول الخاسرين

وهنا أصل إلى السؤال الجوهري الذي غاب عن خطاب حلفا:
ماذا بعد النصر العسكري الذي تبشر به، سيادة القائد؟
هل ستعود الدولة المدنية؟ هل ستعود المؤسسات الدستورية؟ هل ستنتهي سلطة البندقية؟ هل تُستعاد الحياة السياسية الطبيعية؟ وهل يُفتح الطريق أمام انتخابات حرة ونزيهة؟
أم سنعود ببساطة إلى مربع الخامس والعشرين من أكتوبر 2021؟
ذلك الانقلاب الذي أطاح بالشراكة الانتقالية، وقوّض مسار التحول المدني الديمقراطي، وأدخل السودان في أزمة دستورية وسياسية عميقة، وأضعف الثقة بين القوى المدنية والعسكرية، قبل أن تنفجر الحرب بين شريكي السلطة والسلاح في أبريل 2023.
ومن وجهة نظري، فإن انقلاب أكتوبر يمثل أحد الجذور السياسية الأساسية للأزمة الراهنة، لأنه أعاد حسم الصراع على السلطة خارج المؤسسات الدستورية، وكرّس هيمنة القوة العسكرية على القرار السياسي.
ولذلك أقول للبرهان:
لن تعود الدولة كما تقول، لمجرد أن تنتصر عسكرياً. بل قد يكون الوطن والمواطن أول الخاسرين، لأن العودة ستكون إلى مربع انقلابك الذي كان أحد أسس الداء في الأزمة السودانية.
فأي انتصار هذا الذي يعيد البلاد إلى نقطة البداية، بعد كل ما دفعه الشعب السوداني من دماء ودمار وجوع ونزوح وتشريد؟
وأي خير يُرتجى من حرب قد تنتهي عسكرياً، بينما تبقى أسباب الصراع على السلطة قائمة، وتظل الدولة رهينة للبندقية؟
إن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد المدن المستعادة وحدها، وإنما بقدرة الدولة على استعادة شرعيتها الدستورية، وحماية مواطنيها، وإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، وتحقيق السلام المستدام

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة