أعمدة ومقالات

البرهان وقحت.. من الذي تسلط على رقاب السودانيين؟

قراءة نقدية في خطاب البرهان في حلفا.
هل يعود الوطن…أم نعود إلى مربع الانقلاب؟
بقلم السفير الصادق المقلي.

( 1 – – – 4 )

( B )

ثالثاً البرهان وقحت.. من الذي تسلط على رقاب السودانيين؟

من أكثر ما استوقفني في خطاب حلفا ذلك الهجوم على القوى المدنية، ولا سيما قوى الحرية والتغيير ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
فبدلاً من خطاب وطني تصالحي يفتح الباب أمام جمع السودانيين بعد سنوات من الحرب، عاد البرهان إلى لغة التخوين والاتهام بالعمالة والارتزاق، وإلى مخاطبة أنصاره بعبارات تستهدف خصومه السياسيين.
ولعل المفارقة أن البرهان يتحدث عن رفض تسلط قحت على رقاب السودانيين، بينما يتولى هو نفسه قيادة الدولة منذ سنوات، وكان طرفاً أصيلاً في الشراكة الانتقالية التي انتهت بانقلابه.
فمتى انفردت قحت بحكم السودان؟
ألم تكن الفترة الانتقالية قائمة على شراكة بين المكونين المدني والعسكري، ثم دخلت عليها الحركات ٨نالمسلحة بموجب اتفاق جوبا للسلام؟
وألم يكن البرهان نفسه رئيساً لمجلس السيادة خلال تلك الفترة؟
ثم أليست القوى المدنية التي يهاجمها اليوم من القوى التي شاركت في الحراك الشعبي الذي أسقط نظام الإنقاذ، ومهّد الطريق لصعوده إلى رأس الدولة؟
ليس المطلوب إعفاء قحت أو غيرها من القوى السياسية من النقد والمساءلة عن أخطائها، فالتجربة الانتقالية كانت لها إخفاقاتها وتناقضاتها. ولكن تحميل طرف مدني وحده مسؤولية أزمة شاركت في صناعتها أطراف عسكرية ومدنية عديدة، لا يساعد على فهم أسباب الانهيار ولا على تجاوزها.
والأخطر من ذلك أن تتحول الخلافات السياسية إلى أحكام بالإقصاء من الوطن.
فالوطن ليس ملكاً للبرهان، ولا لقحت، ولا لحمدوك، ولا لأي حزب أو قائد عسكري.
السودان وطن لجميع السودانيين، ولا يملك أحد سلطة توزيع صكوك الوطنية أو تقرير من يحق له الانتماء إليه.

رابعاً: الديمقراطية والانتخابات.. كيف ومتى؟
تحدث البرهان عن حق الشعب السوداني في اختيار من يحكمه عبر الانتخابات.

وهو حديث صحيح من حيث المبدأ، ولكن المعضلة تكمن في التناقض بين هذا الإعلان وبين الواقع السياسي والعسكري الذي تعيشه البلاد.
فالبرهان الذي يتحدث اليوم عن الديمقراطية والانتخابات هو نفسه الذي قاد انقلاب أكتوبر 2021، وقوّض المسار الانتقالي الذي كان يفترض أن يفضي إلى حكم مدني وانتخابات.
وهو نفسه الذي وقّع لاحقاً على الاتفاق الإطاري، الذي استهدف استئناف الانتقال المدني وصولاً إلى الانتخابات، قبل أن تنهار العملية السياسية وتندلع الحرب.
فكيف يمكن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة في بلد تمزقه الحرب، ويعيش الملايين من مواطنيه بين النزوح واللجوء، وتتعطل فيه مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية؟
ومن سيضمن حرية التنظيم السياسي والإعلامي، وسلامة الناخبين، واستقلال مؤسسات الانتخابات، في ظل استمرار الحرب وهيمنة السلاح؟
إن الانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع، وإنما عملية سياسية ودستورية تحتاج إلى أمن وحريات ومؤسسات مستقلة وتوافق على قواعد المنافسة.
والسؤال ليس فقط: متى تُجرى الانتخابات؟
بل: أي دولة ستُجرى فيها الانتخابات، ومن يملك السلاح والسلطة حينها؟
خامساً: صمود.. المعارضة المدنية ليست تمرداً مسلحاً

هاجم البرهان تحالف صمود بقيادة عبد الله حمدوك، واتهم معارضيه بالاستقواء بالخارج.
ومن حق البرهان أن يختلف سياسياً مع صمود، وأن ينتقد مواقفها واتصالاتها الخارجية، مثلما يحق لصمود وغيرها من القوى المدنية أن تنتقد سياسات السلطة والحرب.
لكن من الضروري التمييز بين المعارضة السياسية السلمية وبين العمل العسكري المسلح.
فصمود تقدم نفسها باعتبارها تحالفاً مدنياً يدعو إلى وقف الحرب، واستعادة المسار الديمقراطي، وتأسيس جيش وطني موحد، وإنهاء التشكيلات العسكرية الموازية، وتحقيق العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات.
وقد يختلف السودانيون مع مواقفها أو تقديراتها السياسية، لكن الخلاف السياسي لا يكفي وحده لإثبات اتهامات العمالة أو الخيانة.
والاستعانة بالوساطات الإقليمية والدولية للوصول إلى وقف الحرب ليست، في ذاتها، دعوة لاستعمار السودان أو التفريط في سيادته.
فالسودان نفسه شهد اتفاقيات سلام ومفاوضات برعاية إقليمية ودولية على امتداد عقود.
وإذا كانت أبواب السودان مفتوحة، كما يقول البرهان، لكل من يريد الحوار والسلام، فإن هذا الانفتاح ينبغي أن ينعكس في ضمان حرية العمل السياسي السلمي، ووقف لغة التخوين والإقصاء.
إن بناء وطن يتسع للجميع يبدأ بالاعتراف بحق الاختلاف، لا باحتكار تعريف الوطنية

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة