أعمدة ومقالات

أثر الفراشة.. عندما توقظ رفّةُ النور أرضَ الصدق؟!

الجميل الفاضل يكتب:

حين حث النبي صل الله عليه وسلم أصحابه المستضعفين إلى الهجرة عبر البحر، لم يَصِف لهم أرضاً تؤويهم فقط، لكنه أشار إلى ملكٍ لا يُظلم عنده أحد، وأرضٌ أسماها «أرض صدق». رمي بها في إشارة واحدة جمعت مفتاحَي النجاة: عدل الحاكم، وصدق الأرض.
أما اليوم، فما أبعد المسافة بين تلك الإشارة النبوية وبين ما يعيشه السودان الآن.
وما أقرب السؤال الذي يربط بينهما: ماذا يحدث حين تُجرح الأرض التي وُصفت بالصدق، ويُستباح الإنسان على ترابها، إلي أن يصير الوطن مصدراً للخوف أكثر مما يكون ملاذاً آمناً؟
أيُمكن للأرض أن تنسى اسمها؟ أم أن أسماءها الراقدة تحت ركام التاريخ تنتظر مَن يوقظها؟
ونحن نتأمل محنتنا، نحتاج أن نرفع أبصارنا عن مشاهد الخراب قليلاً، لنرى كيف تتشابك الأفعال الصغيرة مع المصائر الكبيرة، وكيف تتراكم في صمتٍ أشياء لا نكاد نلحظها، والي أن يبدو انهيار المجتمعات كأنه زلزال بلا مقدمات.
هنا تلوح الفراشة، رفّةٌ ضئيلة يستعير منها الفكر صورةَ أثرٍ يتجاوز حجمه، وتحوّلاتٍ تنشأ من تفاعل أسبابٍ كثيرة لا نملك دائماً أن نتوقع مآلاتها.
ليس في الصورة ما يثبت أن رفّةً واحدةً تصنع العاصفة حتماً، ولا أن الفيزياء تمنحنا مفاتيح الغيب، لكنها تومئ إلى حقيقة تستحق التأمل: قد يصغر الفعل في أعيننا، فيما يتسع أثره في نسيج الحياة.
ألم تتراكم في السودان، على مدى عقود، رفّاتٌ من الزيف؟ كلمةٌ تخون الحقيقة، ومظلمةٌ تُترك بلا إنصاف، ووعدٌ يُتَّخذ جسراً إلى الخذلان، ودمٌ يُراق ثم يُطلب من الذاكرة أن تنساه.
ومع التراكم لم يعد الكذب خطيئةً فردية، إنما صار مناخاً يُفسد الثقة، ويُضعف نسيج المجتمع، ويهيّئ أسباب الانهيار. ثم جاءت الحرب فأسمّيناها مفاجأة، كأن التاريخ لم يكن يرسل إشاراته من قبل، وكأن الأرض لم تكن تحمل في جوفها آثار ما أودعناه فيها.
لكننا لا نملك أن نجزم كذلك بأن الحرب عقوبة غيبية، أو أن قوانين الكون تُصدر أحكامها على مصائر الشعوب.
ما نملكه هو أن نرى مسؤوليتنا فيما نعلم: فالظلم لا يحتاج إلى كشفٍ غيبي كي نرفضه، والدم لا يحتاج إلى معادلة كونية كي ندرك حرمته.
لعلّ الأرض لا تنتقم من أهلها، ولعلّ الإنسان، عندما ينقض شروط الحياة، يهيّئ بيديه بعض أسباب انهيارها.
من هنا تعود عبارة «أرض صدق» لتصبح أكثر من ذكرى نبوية أو مديحٍ لجغرافيا بعينها.
إنها أمانة تُختبر في الحاضر، فالأرض لا تصبح صادقة لأننا نعتناها بذلك الوصف، والوطن لا يسترد عافيته بترديد فضائله القديمة، لكن يحدث هذا عندما يصبح الصدق ممكناً في الحكم، والعدل ممكناً في الحياة، والاختلاف ممكناً دون أن يتحوّل إلى عداوة.
وحين نقرأ قوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾، ينفتح أمامنا أفق للتأمل في تسبيح الخلق واستجابته لأمر الله. لا لنحمّل الآية حكماً سياسياً، لكن لنسأل أنفسنا: كيف نرجو من الأرض الطمأنينة ونحن ننتزعها من صدور أهلها؟ وكيف ننتظر السلام ونترك بذور الحرب تنمو في ضمائرنا ومجتمعاتنا؟
علي أية حال، أول الإصغاء أن نسمع نأمة الإنسان الذي غاب صوته تحت هدير السلاح: النازح الذي يحمل وطنه في حقيبته، والأم التي تبحث عن أبنائها في أزقة الحواري الملتهبة بنيران القصف، والطفل الذي تعلّم أسماء الموت قبل أن يتعلّم أسماء أحلامه.
هؤلاء هم المرآة التي يُختبر بها كل خطاب عن النصر والكرامة والوطن.
المهم، فأي نصرٍ هذا الذي يترك الإنسان مهزوماً في داخله؟ وأي سلامٍ يُغلق ملف الحرب ثم يترك أبواب الظلم مشرعة لحرب أخرى؟
هنا تعود الفراشة، لا زينة لغوية في سماء المأساة، بل إشارة إلى إمكان البدء من جديد: كلمة تصدق، وحق يُردّ، ويد تكف عن الأذى، ومجتمع يرفض أن يكافئ الكذب لأنه يخدم مصالح الكاذبين.
قد لا تصنع هذه الأفعال منفردة معجزة تاريخية، لكنها تردّ إلى التغيير مادته الإنسانية الأولى.
فلا سلام بلا عدالة، ولا دولة بلا مسؤولية، ولا نهوض ما لم نكسر الدائرة التي تعيد إنتاج المأساة بأسماء أخري.
وبالطبع فنحن لسنا مطالبين بامتلاك مفاتح الغيب كي نختار الصدق، ولا بمعرفة خاتمة الطريق كي نخطو الخطوة الأولى فيه. يكفينا أن نعرف أن الوطن أكبر من حكامه، وأن الإنسان أكرم من أن يكون وقوداً لصراعاتهم، وأن الذاكرة لا تنقذ الحاضر ما لم تتحوّل إلى مسؤولية.
وبالتالي، فإن «أرض الصدق» لم تعد مجرد ذكرى، بل سؤالاً يُلقى على حاضرنا: هل يستطيع السودان أن يستعيد معناه، حتى يجد أبناؤه فيه ملاذاً لا يضطرون إلى الفرار منه كي ينجوا؟
عموما، قد يطول الطريق، وقد يتأخر انحسار العاصفة، لكن التحوّل يبدأ عندما نكفّ عن حجب ما نعرفه من حقائق، لنردّ إلى الكلمة صدقها، وإلى الإنسان حرمته، وإلى الوطن حقه في حياة لا تُسقى بالدم.
وللحقيقة، فأثر الفراشة النوراني ليس وعداً بأن رفّة واحدة ستغيّر العالم، بل تذكيراً بأن كل تحوّل يحتاج إلى بداية، وأن البدايات التي نستهين بها قد تجد طريقها عندما نلتقي على صناعة غدٍ مختلف.
فحين توقظ رفّة النور أرض الصدق، لن يكون البوح كشفاً لأسرار الغيب، بل انكشافاً لما حجبناه نحن عن أنفسنا زمناً طويلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة