د. الأمين بلال مختار *alaminmukhtar@hotmail.com *October / 24 / 2026 بعد ما يقارب الأربع سنوات من حرب الخامس عشر من أبريل 2023، وبعد كل الضجيج والشعارات الكاذبة عن حرب الكرامة، أستطيع اليوم أن أقول استناداً إلى معلومات مؤكدة وحقائق لا تقبل الشك على أرض الواقع، إن من يسيطر اليوم على مفاصل الأمن في السودان ليس جيشاً قومياً مهنياً واحداً كما يدّعون، بل الحركة الإسلامية – الكيزان – وما تسمى بالحركات المسلحة المشاركة، مناوي وجبريل وعقار.
هؤلاء هم اليوم الكل في الكل.
الكيزان والحركات هم الشرطة، وهم الأمن، وهم الجيش. المشتركة هي التي تخرّج الدفعات في كليات الشرطة، وهي التي تستلم أقسام الأمن، وهي التي تسيطر على الارتكازات. هذا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك جناحاً كاملاً وتياراً داخل المؤسسة العسكرية تحالف معهم تحالفاً وجودياً، وسلّمهم مفاتيح الدولة الأمنية كاملة.
لقد حلّوا محل الدعم السريع الذي حاربوه، بل وتفوقوا عليه في التمكين والانتشار. بالأمس كان هناك جيش ودعم سريع، واليوم أصبح لدينا جيوش متعددة وكتائب وميليشيات لا حصر لها. كتائب البراء بن مالك، وكتائب العمل الخاص، ودرع السودان، والقوات المشتركة، وقوات عقار. مصنع الميليشيات شغال ليل نهار، والتكاثر السرطاني للجيوش مستمر كل يوم.
والخطر القادم من داخل معسكر الحرب نفسه.
المعلومات المؤكدة تشير إلى أن حرباً أخرى قادمة لا محالة، ليس مع الدعم السريع، بل داخل معسكر دعاة استمرار الحرب أنفسهم. كيف لا، والجيوش المتعددة المتنافرة والمتناقضة موجودة على الأرض؟ وكيف لا تشتعل النيران وكل فصيل له سلاحه، وله تمويله، وله حاضنته القبلية، وله مشروعه الخاص، وكل فصيل يرى نفسه هو الأحق بحكم السودان؟
أما الوجه الثاني للكارثة، فهو التمكين الكامل والشامل.
عاد الكيزان وتمكنوا من جديد، ليس في الأمن فقط، بل في كل مفاصل الدولة. عادوا وسيطروا سيطرة كاملة على السلطة والمال والاقتصاد.
سيطروا على الوزارات، وعلى بنك السودان، وعلى الصناعات الدفاعية، وعلى القضاء، وعلى النيابة، وعلى الخدمة المدنية، وعلى التربية والتعليم، وعلى الصحة، وعلى الإعلام. رجعوا بنفس نهجهم القديم المعروف أيام الإنقاذ، بل وأسوأ. أعادوا كل عناصرهم المفصولة بثورة ديسمبر، أعادوا كل كوادرهم، أعادوا كل لجانهم الأمنية والاقتصادية.
لقد حققوا عبر هذه الحرب ما عجزوا عن تحقيقه حتى في ثلاثين سنة من حكم الإنقاذ. وهذا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الحرب كانت هي هدفهم من الأساس. الحرب كانت هي وسيلتهم الوحيدة للعودة. لم يجدوا طريقاً للعودة عبر صندوق الانتخابات، فأشعلوا الحرب.
استخدموا شعار “الكرامة” ليخدعوا العوام والبسطاء، وليستدروا العاطفة الدينية والوطنية الكاذبة، بينما هدفهم الحقيقي كان استعادة السلطة التي انتزعها منهم الشعب في ثورة ديسمبر المجيدة.
هم لا يهمهم أن يتقسم السودان إلى دويلات صغيرة، ولا يهمهم أن ينتهي السودان كدولة، ولا يهمهم أن يموت نصف الشعب السوداني جوعاً ونزوحاً وتشريداً. المهم عندهم أن يبقوا هم. أن تبقى سلطتهم، وأن يبقى تمكينهم، وأن يبقى مشروعهم الفاسد.
هذه هي الحقيقة المرة لحرب الكرامة التي يزعمونها. خدعوا الناس بكل أسف، وساقوا شباب السودان إلى محرقة لا تنتهي، فقط ليعودوا إلى كراسي الحكم على جماجم السودانيين وأشلائهم.
إن التاريخ لن يرحم، وإن الشعب السوداني الذي أسقط عبود في أكتوبر، ونميري في أبريل، والبشير في ديسمبر، قادر على أن يكشف هذا الزيف، وأن يفضح هذا المشروع الذي يريد أن يختطف السودان مرة أخرى.