❝حين يطول وجع الشعوب، تتحول الكلمات الصغيرة إلى زلازل كبيرة.. وحين يعجز الحاكم عن سماع أنين الناس، يصبح رحيله أول الكلام عن الخلاص.❞
(1)
(أختانا.. إتفكفك يا برهان!) .. هاشتاق سوداني لا يحتاج إلى قاموس ليفك شفرته، ولا إلى لجنة تشرح للناس ما الذي يريدون قوله.. إنه صوت الغاضبين الذين ضاقت بهم سعة الوطن، وأثقلتهم الحرب حتى صار الصباح خبراً عن قتيل، والمساء حساباً للخبز، والغد سؤالاً بلا إجابة. إنهم لا يطلقون الحروف للتسلية، ولا يرفعون الوسوم طلباً للشهرة؛ إنهم يطرقون آخر الأبواب التي بقيت لهم، بعدما أُغلقت في وجوههم أبواب السياسة والعدالة والعيش الكريم. وحين يقول السوداني: (أختانا) فهو لا يناقش أناقة الحاكم في مقعده، بل يسأله عن وطن ينزف، وشعبٍ يتضور، وحرب تمدُّ ليلها ولا يبدو في الأفق فجرٌ يليق بكل هذه التضحيات.
(2)
لماذا البرهان؟ لأن رأس السلطة لا يستطيع أن يطلب حصانةً من نتائج بقائه في قمتها.. فمنذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، أُغلقت نافذة الانتقال المدني، وعاد السودان إلى قبضة الحكم العسكري، ثم انفجرت الحرب في أبريل 2023، فدفع المواطن الثمن من دمه وبيته وأمان أسرته. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال:” من يجلس على كرسي الحكم؟ بل من يملك قرار الحرب والسلام، ومن يتحمل مسؤولية إخراج البلاد من هذا النفق؟ البرهان ليس عابراً في المشهد؛ إنه رأس السلطة التي يُطالبها الناس بأن تفسح الطريق لحلٍّ مدنيٍّ ينهي الحرب ويعيد الدولة إلى أصحابها.. وحين تتراكم الخيبات، ويتراجع الأمل، ويصبح البقاء في الحكم عاجزاً عن تقديم مخرج، يغدو الرحيل مطلباً سياسياً وأخلاقياً، لا نزوةً عابرة في فضاء الغضب.
(3)
لكن الحكاية لا تقف عند البرهان؛ فخلف الرجل قطارٌ سياسيٌّ قديم، يريد أن يبلغ المحطة نفسها بأسماء جديدة ووجوهٍ تتبدل.. إنها منظومة الحركة الإسلامية (المؤتمر الوطني) وشبكات المصالح التي لا ترى في الدولة بيتاً لجميع السودانيين، بل غنيمةً ينبغي أن تبقى مفاتيحها في أيدي أصحابها.. وفي قراءة (أفق الحرف) لا يمكن فصل معركة السودانيين مع استمرار الحكم العسكري عن معركتهم مع مشروع الكيزان في استعادة النفوذ والقرار. فالسلطة التي تتكئ على السلاح، وتغلق الطريق أمام المدنيين، تترك الباب موارباً أمام عودة النظام الذي ثار الناس عليه.. ولهذا لا يقول الهتاف:( ارحل يا برهان) ثم ينام مطمئناً؛ بل يواصل سؤاله: وماذا عن القطار الذي يريد أن يمرّ فوق أحلام الناس مرةً أخرى؟ إن رحيل الرأس ضرورة، وتفكيك أسباب الاستبداد ضرورةٌ لا تقل عنها.
ومن يسأل لماذا بلغ الغضب هذا المدى، فلينظر إلى موائد السودانيين قبل أن ينظر إلى مقاعد الساسة.. الحرب قتلت وشردت، والجوع يطارد من نجا، والغلاء يلتهم ما تبقى من الدخول، والبطالة تسحب من الشباب ثقتهم في الغد.. أسرٌ تبحث عن لقمة تكفي يومها، وأطفال يدفعون من أعمارهم ثمن صراع لم يختاروه، ونازحون يحملون ما بقي من حياتهم على أكتافهم.. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الناس سلطةً تنقذهم من الانهيار، تبدو معركتهم مع البقاء اليومي أطول من قدرتهم على الاحتمال.. هنا يصبح الاقتصاد امتحاناً للحكم، لا جدولاً للأرقام؛ ويصبح الجوع سؤالاً سياسياً مباشراً: ماذا فعلت السلطة لحماية الناس؟ وأيُّ شرعية تبقى حين يعجز الحكم عن وقف المأساة وفتح طريق آمن إلى السلام؟.. لا تكفي الخطب لتُشبع جائعاً، ولا تكفي الشعارات لتعيد نازحاً إلى بيته. الشعب يريد حياةً، لا مزيداً من الوعود المؤجلة.
(6)
وفي ميزان (أفق الحرف) لا يربح من استمرار هذه الكارثة إلا من وجد في الحرب باباً للنفوذ أو المال أو العودة إلى السلطة.. أما السودانيون، من بورتسودان إلى دارفور، ومن حلفا إلى كوستي ومن الجزيرة إلى المنافي، يدفعون الفاتورة من أعصابهم وأرزاقهم وأحلام أبنائهم.. إن الفئة التي تراهن على تعب الناس، وعلى أن ينسى الجائع سؤال الحرية، والمشرّد حقه في الوطن، والأمّ حقها في الأمان، تراهن على ذاكرة لا تعرف السودان جيداً. فالشعب قد يُرهق، لكنه لا يتحول إلى ملكية خاصة؛ وقد يصمت تحت وطأة الخوف، لكن صمته لا يمنح أحداً تفويضاً أبدياً.. ومن هنا، فإن (أختانا) إعلانٌ بأن الصبر ليس شيكاً مفتوحاً للحاكم، وأن دماء السودانيين لا يجوز أن تتحول إلى رصيدٍ سياسيٍّ في يد أحد.. المطلوب وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام انتقالٍ مدنيٍّ حقيقي، ومحاسبة لا تستثني أصحاب النفوذ، ودولة لا تكون رهينة بندقية أو جماعة أو شبكة مصالح.
(7)
لهذا نقولها واضحةً، بلا تلعثم ولا مواربة: أختانا.. إتفكفك يا برهان! ارحل عن سلطة أثقلت كاهل السودان، وافتح الطريق أمام السودانيين ليختاروا من يحكمهم، ويعيدوا بناء دولتهم بعيداً عن الوصاية العسكرية ومشروعات الاستبداد.. لا نريد استبدال قبضة بقبضة، ولا استدعاء الماضي من نافذة أخرى؛ نريد سلاماً يوقف نزيف الأرواح، وعدالةً تحفظ الحقوق، وحريةً لا تُصادرها البنادق، وخبزاً لا يتحول إلى أمنية.. نريد وطناً لا يخاف فيه المواطن من الغد، ولا تضطر فيه الأم إلى إخفاء دمعتها كي لا ينهار أطفالها، ولا يصبح فيه الاختلاف تهمةً تستدعي الرصاص.. إن رحيل البرهان، في هذا الموقف، ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ فالطريق الحقيقي هو إنهاء الحرب، وتفكيك بنية الاستبداد، وردّ السلطة إلى شعب دفع من عمره ودمه أكثر مما ينبغي.. تلك هي الإجابة عن سؤال الهاشتاق: لأن السودان يستحق أن يعيش، ولأن شعبه تعب من دفع ثمن بقاء الآخرين.
#مطر_الحصو
يا برهان.. ليست البلاد ثوباً ترتديه متى شئت، ولا الشعب حاشيةً تصفق حول مقعدك.. السودان أكبر من رجل، وأبقى من جماعة، وأعزّ من أن يظل رهينة حربٍ لا تنتهي. ارحل، ودع للشعب فرصة أن يلتقط أنفاسه، قبل أن يصبح الوطن كله سؤالاً عن الذين غادروه، والذين أُجبروا على الرحيل، والذين ما زالوا ينتظرون عودة الحياة.
#ومضة..
حين يقول الجائع (أختانا) فهو لا يطلب تغيير الحارس؛ إنه يريد أن يفتح باب البيت.
#توقيع_أفق_الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول :”لا وطن يُبنى فوق جوع أهله، ولا سلام يولد من احتكار القرار.. والحق، مهما طال ليله، يجد في صوت الشعوب نافذته إلى الصباح”. إنا لله ياخ.. الله غالب.