فاقد الشيء لا يعطيه

الدكتور الأمين بلال

د/ الأمين بلال مختار
May/29/2026
alaminmukhtar@hotmail.com
منذ 11 أبريل 2019 ظل الشعب السوداني يتلقى من الفريق أول عبد الفتاح البرهان سلسلة وعود متكررة: وعدٌ بالانتقال الديمقراطي، وآخر بالحفاظ على أهداف الثورة، وثالث بحماية المدنيين وصون كرامتهم. غير أن الوقائع على الأرض كشفت أن القول شيء، والفعل شيء آخر. ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن انقطع بينه وبين الحقيقة جسر الثقة، لا يُرجى منه بناء وطن.

أكذوبة تسليم السلطة للمدنيين
في أيام الثورة الأولى أعلن البرهان: “سنسلّم السلطة لحكومة مدنية منتخبة بإرادة الشعب”. لكن بعد عامين فقط، جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليجهز على المسار الانتقالي. حُلّت الحكومة، واعتُقل رئيس الوزراء ووزراؤه، وعاد العسكر ليحكموا منفردين. أي وفاءٍ هذا الذي يُختم بنقض العهد؟ وأي تسليمٍ يُجهض بيد من وعد به؟

أكذوبة الحياد وحماية العملية السياسية
ردّد مراراً أنه “لا يسعى للسلطة” وأنه “الضامن للحوار”. بينما كانت كل قراراته تصب في توسيع قبضة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد والسياسة والأمن. الشركات العسكرية تمددت، والصلاحيات السيادية احتُكرت، والمجال العام ضاق. فأي حيادٍ ينتج عنه تغوّل طرف واحد وإقصاء بقية الأطراف؟ الحياد الحقي لا يُقاس بالخطاب، بل بميزان السلطة والفعل.

أكذوبة الحوار السوداني الداخلي بلا إقصاء
اليوم، وبعد أن أشعلت الحرب البلاد، يخرج النداء: “حوار سوداني سوداني شامل”. لكن كيف يُطلب
الحوار ممن بدأ بالبندقية؟ وكيف يُدعى للتوافق من أغلق المجال العام، ولاحق القوى المدنية، وشرّد الملايين؟ الحوار مسؤولية أخلاقية وسياسية، ولا تُمنح أهليته لمن نقض الميثاق وأسقط الدستور وأشعل النار في الوطن.
الخلاصة
من فقد المصداقية لا يمنحها، ومن خان العهد لا يُؤتمن على الميثاق، ومن أوقد فتيل الحرب لا يُنتظر منه إطفاؤها. دعوة البرهان للحوار تفتقد إلى شرطها الأول: أهلية الداعي. فالسودانيون لا يحتاجون إلى خطابات استهلاكية تُقال ثم تُنسى، بل إلى اعتراف بالمسؤولية التاريخية، ووقف فوري لإراقة الدماء، وتسليم حقي غير منقوص لسلطة مدنية كاملة تقود البلاد إلى الانتخابات.
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى. والدرس الأهم من تجربة الأربع سنوات الماضية أن الوطن لا يُبنى بوعودٍ تُنقض، بل بمواقفٍ تُصدّق..

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة