تجّار الدم : حين تصبح المتاجرة بالانتهاكات ديدن الانتهازيين

الدكتور الأمين بلال

د/ الأمين بلال مختار
May/30/2026
alaminmukhtar@hotmail.com

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في السودان، لم تعد الدماء مجرد ثمن باهظ يدفعه المدنيون، بل تحوّلت إلى سلعة رائجة في سوق الانتهازيين. فصيلٌ بعينه وجد في خراب الوطن منفعة، وفي صراخ الثكالى خطاباً، وفي جث الأبرياء منبراً. هؤلاء هم “الكيزان” و”البلابسة” ودعاة إطالة أمد الحرب، الذين جعلوا من الموت مهنة ومن الانتهاكات رأس مال.

عجزٌ عن الحلول.. وشغفٌ بالتصعيد
طوال السنوات الماضية لم يقدم دعاة الحرب مشروعاً واحداً لإيقاف القتال أو حماية المدنيين أو فتح مسارات الإغاثة. خطابهم اليومي لا يتجاوز الشعارات الحماسية وتخوين كل صوت يدعو للسلام. لا خارطة طريق، لا مبادرة إنسانية، لا رؤية لما بعد الكارثة. فالمتاجر بالدم لا يربحه إيقاف النزيف، بل استمراره.

موقف مخزٍ: دعم الحرب وإشعال القبلية
الأخزى من الصمت هو التبرير. خرجوا ليباركوا القصف، ويبرروا التهجير، ويهتفوا بـ”الحرب حتى النهاية” على جث الأطفال في الجنينة والخرطوم ودارفور وكردفان. لم يكتفوا بذلك، بل ذهبوا أبعد: الزج بالقبائل والمدنيين العزّل في أتون المعركة، وتسليح العشائر، وبث خطاب الكراهية والجهوية. حوّلوا النزاع السياسي إلى حرب هوية، كي يضمنوا أن لا وطن يعود بعد الخراب.

المتاجرة بالانتهاكات
حين تُوثّق جرائم القتل والاغتصاب والنهب، لا يخجلون من استخدامها. يحوّلون فيديو جثة إلى مادة دعائية، وشهادة ناجية إلى سلاح في معركة الإعلام. يبكون الضحايا في منصة، ويبررون قاتلهم في منصة أخرى. صار انتهاك الكرامة مادة للابتزاز السياسي، ودماء المدنيين وقوداً للخطاب التحشيدي. هكذا صار الانتهازي لا يعيش إلا في الخراب، ولا ينتصر إلا على الركام.
الخلاصة
التاريخ سيسجل أن فئةً من أبناء هذا الوطن اختارت أن تكون تاجر دم بدل أن تكون طبيب جرح. الكيزان الذين أفقروا الدولة، والبلابسة الذين يقدسون البندقية، ودعاة الحرب الذين لا يعرفون للسلام طريقاً، هم شركاء أصيلون في هذه الكارثة.
السودان لا يحتاج لمن يتاجر بآلامه، بل لمن يضمد جراحه. ولا يحتاج لمن يزج بالقبائل في المحرقة، بل لمن يعيد للمواطنة معناها.
فاقد الإنسانية لا يهبه، ومن جعل من الحرب بضاعة سجل تاجر دم. فهو شريك في الجريمة ولو تدثّر بثياب الكعبة. اللهم أشهد إني قد بلغت، ولا يصح إلا الصحيح.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة