من مالي إلى السودان : الدولة بين الانقلاب وتفكك السلطة

الصحفية صفاء الزين
الصحفية صفاء الزين

بقلم : أ. صفاء الزين

في مالي دخلت الأزمة السياسية مرحلة جديدة مع الانقلابات العسكرية التي قادها أسيمي غويتا عام 2020م ضد الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، ثم عاد في 2021م ليقود تحركًا آخر أعاد تشكيل السلطة داخل الدولة، هذا المسار كشف انتقال الحكم داخل بنية عسكرية متداخلة، مع توسع دور المؤسسة العسكرية في إدارة القرار السياسي بدل المسار المدني التقليدي.
داخل مالي التحولات السياسية ارتبطت بتآكل تدريجي في مؤسسات الدولة، وضعف الأحزاب السياسية، وهشاشة الإدارة العامة، وتراجع الثقة بين المواطن والدولة، وانتشار جماعات الغلو والتطرف الديني، وعزلة من دائرة القرار الأفريقي بتجميد عضويتها في الاتحاد الأفريقي، كلها عوامل ساهمت في خلق فراغ سياسي داخل الدولة، هذا الفراغ أدى إلى انتقال مراكز القرار نحو المؤسسة العسكرية، مع توسع تأثيرها داخل المشهد العام.
مع تكرار التحركات العسكرية، دخلت مالي حالة من إعادة إنتاج الأزمات، كل مرحلة سياسية جديدة حملت وعودًا بتثبيت الاستقرار، غير أن النتائج جاءت في اتجاه استمرار حالة عدم الاستقرار مع تغيّر الوجوه داخل السلطة، هذا النمط يعكس خللًا في البنية المؤسسية للدولة، مع غياب آليات سياسية قادرة على ضبط الانتقال السلمي للسلطة.
تجربة مالي تكشف حالة دولة تتعرض لتفكك تدريجي في بنيتها المؤسسية، حيث تتحول المؤسسة العسكرية إلى مركز رئيسي لإدارة الحكم، مع تراجع دور المؤسسات المدنية، وهذا التحول أدى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي داخل الدولة، مع تعدد مراكز التأثير داخل السلطة.
وهذا النموذج يقدم مدخلًا مهمًا لفهم ما يحدث في السودان، حيث تتداخل عوامل تاريخية مع بنية سياسية معقدة تشكلت عبر عقود من التحولات.
في السودان قد لعبت الحركة الإسلامية السودانية دورًا واسعًا في تشكيل مؤسسات الدولة خلال فترة طويلة من الحكم والهيمنة على قرارها والاستحواذ على مواردها، هذا الدور شمل إعادة بناء أجزاء كبيرة من الجهاز الإداري والأمني، مع تأثير مباشر على طريقة إدارة الدولة.
هذا التداخل بين التنظيم السياسي ومؤسسات الدولة أدى إلى إعادة صياغة طبيعة السلطة داخل السودان، مع مرور الوقت أصبحت بعض مواقع الدولة مرتبطة بمعايير الولاء السياسي، مع تراجع واضح في استقلالية بعض المؤسسات،و هذا الواقع ساهم في تشكل بنية داخلية معقدة داخل الدولة عرفت فيها واجهات التنظيم في هياكل الدولة بـ (التنظيم الخاص) في الشرطة في الجيش في الأمن في الخدمة المدنية .. الخ.
بعد سقوط النظام السابق، دخل السودان مرحلة انتقالية شهدت محاولات لإعادة بناء النظام السياسي، وخلال هذه المرحلة ظهرت تحديات مرتبطة بالإرث المؤسسي السابق، حيث استمر تأثير البنية القديمة داخل أجهزة الدولة المختلفة.
تحرك 25 أكتوبر 2021م الإنقلابي داخل السودان جاء في هذا السياق، حيث أعاد ترتيب السلطة داخل الدولة في لحظة سياسية معقدة لصالح الحزب المحلول وجماعاته وواجهاته، هذا التحرك كشف حجم التداخل داخل المؤسسات، مع استمرار آثار التراكمات السابقة على بنية الدولة.
هذا الانقلاب شكل نقطة تحول في المسار السياسي، مع انتقال السودان إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل السلطة، هذه المرحلة حملت تحديات مرتبطة بغياب توافق سياسي واسع حول شكل الدولة وإدارتها.
وهنا يظهر تشابه مع تجربة مالي، حيث تتقاطع الحالتان في مسار تراجع المؤسسات المدنية مقابل توسع دور المؤسسة العسكرية داخل إدارة الدولة، هذا التشابه يعكس نمطًا متكررًا في دول تمر بمرحلة انتقال سياسي معقد.
في مالي، كل تحول سياسي جديد أعاد إنتاج نفس الإشكالات داخل الدولة، ضعف البنية المؤسسية جعل عملية الاستقرار صعبة، مع استمرار الأزمات عبر مراحل مختلفة، هذا النمط يعكس غياب معالجة جذرية لمشكلة بناء الدولة.
وفي السودان المشهد يحمل سمات قريبة من هذا المسار، واستمرار الأزمة السياسية يرتبط بتراكم تاريخي داخل بنية الدولة، حيث تشكلت مؤسساتها عبر مراحل طويلة من التداخل بين السياسة والإدارة العامة.
هذا الواقع يجعل أي محاولة لإعادة الاستقرار مرتبطة بقدرة الفاعلين السياسيين على التعامل مع جذور الأزمة، المسألة لا ترتبط فقط بإدارة الصراع الحالي، لكنها تمتد إلى طريقة بناء الدولة نفسها وإعادة تعريف دور مؤسساتها.
العوامل الإقليمية والدولية أضافت مستوى آخر من التعقيد للمشهد السوداني، موقع السودان الجغرافي جعله نقطة اهتمام لقوى متعددة تسعى للتأثير في مسار الأحداث، ما زاد من تشابك المشهد الداخل، وهنا نجد أن القاسم المشترك هو التدخل الروسي عبر مجموعة فاغنر الأمنية.
رغم ذلك تظل العوامل الداخلية هي العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل مستقبل الدولة، فتجربة مالي توضح أن ضعف البنية الداخلية يفتح المجال أمام تدخلات خارجية تزيد من تعقيد الأزمة وتطيل زمنها.
أحد أهم الدروس من تجربة مالي يرتبط بأن تغيير القيادات داخل السلطة دون إصلاح مؤسسي يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، وكل مرحلة جديدة في مالي حملت تغييرات في الأشخاص، مع استمرار نفس الإشكالات داخل بنية الدولة.
في السودان يظهر تحدٍ مشابه، حيث يتطلب أي مسار استقرار إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، وهذا المسار يحتاج إلى مراجعة عميقة للتجربة السابقة، وفهم تأثيرها على الوضع الحالي.
هذا النوع من المراجعة يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا داخل المجتمع، إضافة إلى رؤية واضحة حول شكل الدولة وطريقة إدارتها، لأن غياب هذا التوافق يؤدي إلى استمرار حالة التوتر داخل المشهد السياسي.
كما أن التجربة تشير إلى أن غياب مشروع وطني جامع يؤدي إلى تعدد مراكز القرار داخل الدولة، مع ضعف القدرة على إدارة التنوع السياسي والاجتماعي، هذا الوضع يضعف استقرار الدولة ويجعلها في حالة انتقال دائم.
في المقابل نجد أن تجربة مالي تظهر أن غياب المؤسسات القوية يؤدي إلى تكرار الأزمات بشكل دوري، مع تغيّر الفاعلين في كل مرحلة، مع بقاء الأسباب الأساسية دون تغيير.
وبذلك يظهر أن كل من مالي والسودان يواجهان تحديات مرتبطة ببنية الدولة نفسها، مع حاجة واضحة إلى إعادة بناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة بشكل مستقر.
إن السودان اليوم يقف أمام مرحلة دقيقة تتطلب إعادة التفكير في شكل الدولة وطريقة إدارتها، التجربة تشير إلى أن استمرار الوضع الحالي دون معالجة عميقة قد يؤدي إلى تكرار نفس السيناريوهات التي شهدتها دول أخرى.
يبقى السؤال الأساسي مرتبطًا بقدرة القوى السياسية داخل السودان على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء دولة مستقرة تعتمد على مؤسسات قوية، وتوازن سياسي قادر على ضمان استقرار طويل الأمد، مع تجنب تكرار دورات الأزمات.

في رأيي المتواضع أن التحدي لا يكمن في تغيير الوجوه داخل السلطة أو إعادة ترتيب مراكز النفوذ، إنما في كسر الحلقة البنيوية التي تعيد إنتاج الأزمة عبر أدوات الدولة نفسها، حيث تتقدم المؤسسة العسكرية إلى واجهة الحكم في كل منعطف، ثم تتراجع المؤسسات المدنية، ثم تتجدد الأزمة بصورة مختلفة مع بقاء جوهر الاختلال دون معالجة. هذه الحلقة، كما تُظهرها تجربة مالي وتؤكدها الحالة السودانية، لا تُفكّ عبر تسويات ظرفية، إنما عبر إعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والدولة على قاعدة مؤسسية واضحة، تُخرج القرار السياسي من دائرة التداخل غير المنضبط، وتعيد تعريف وظيفة المؤسسة العسكرية ضمن إطار وطني محدد.

المسار المطلوب يتجاوز إدارة الأزمة نحو بناء توازن جديد داخل الدولة، توازن يقوم على مؤسسات مدنية قادرة على الفعل، لا على رد الفعل، وعلى جيش مهني محكوم بعقيدة وطنية، لا بشبكات نفوذ أو تحالفات ظرفية وعلاقات خفية عابرة للحدود مع دول أو مليشيات أو شركات أمنية، وعلى نظام سياسي يستمد شرعيته من المجتمع، لا من أدوات السيطرة. في غياب هذا التحول، ستظل الدولة تدور داخل دورة انتقال مفتوح، تتغير فيها العناوين وتبقى البنية كما هي.

الرهان الحقيقي يتمثل في القدرة على إنتاج مشروع وطني جامع يعيد تعريف فكرة الدولة نفسها، مشروع يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها، ويؤسس لشرعية قائمة على المواطنة المتساوية، ويعيد توزيع السلطة والفرص بصورة عادلة، ويغلق المجال أمام تعدد مراكز القرار داخل الدولة. هذا المسار يحتاج إرادة سياسية واعية، ونخبة قادرة على إدراك عمق التحول المطلوب، ومجتمع مستعد للدفاع عن فكرة الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا، لا ساحة صراع دائم.

دون هذا التحول، ستبقى كل محاولة للاستقرار مؤقتة، وكل تسوية قابلة للانهيار، وكل مرحلة انتقالية مفتوحة على أزمة جديدة، أما في حال تحقق هذا التحول، فإن السودان يمكن أن ينتقل من حالة إدارة الانهيار إلى مرحلة بناء الدولة، ومن منطق إعادة إنتاج الأزمات إلى أفق الاستقرار طويل الأمد.

ختاما: إن الدور الإفريقي والدولي المطلوب في هذه المرحلة لا يمكن أن يظل محصورًا في الوساطات التقليدية أو إدارة التهدئة المؤقتة، إنما ينبغي أن ينتقل إلى مستوى الفعل الاستراتيجي المنسق الذي يعالج بنية الأزمة لا مظاهرها، عبر بناء إطار تدخل متعدد المستويات تقوده المؤسسات الإفريقية بالشراكة مع الأمم المتحدة والقوى الدولية المؤثرة، على أساس وحدة المسار وتكامل الأدوات، لا تعدد المنابر وتشتت الجهود، وهذا الدور يتطلب أولًا فرض حد أدنى من الانضباط على الأطراف عبر آليات رقابة وتنفيذ واضحة، مرتبطة بحوافز وعقوبات قابلة للتطبيق، بما يحول كلفة استمرار الحرب إلى عبء غير محتمل، كما يتطلب ثانيًا دعم مسار سياسي مدني حقيقي يقوم على تمثيل واسع وشرعية مجتمعية، مع تحييد أي ترتيبات تعيد إنتاج هيمنة السلاح داخل الدولة. وثالثًا، ينبغي توجيه الجهد الدولي نحو تفكيك اقتصاد الحرب وشبكات التمويل العابرة للحدود وفرض حصار مطبق على الجماعات المتطرفة وإعلان تحالف إفريقي لمكافحة الإرهاب، باعتبارها أحد أهم محركات الصراع. ورابعًا، يتعين تأمين الممرات الإنسانية بوصفها التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا غير قابل للمساومة. هذا الدور، إذا أُحسن تصميمه وتنفيذه، يمكن أن ينقل السودان من ساحة تنافس إقليمي إلى مسار استقرار مدعوم دوليًا، قائم على استعادة الدولة ومؤسساتها، وذات الأمر ينطبق على جمهورية مالي.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة