التصحيح

صباح محمد الحسن
صباح محمد الحسن

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول:
القوي هو الذي يستطيع انتزاع نفسه من أي شيء لا يلائمه.

واستبعاد الحركة الإسلامية أصبح شرطًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا،
ولذلك فإن أي وثيقة لا تنص صراحةً على استبعادهم تُفهم بلا شك على أنها تنازل غير مقبول.
وتوقيع صمود على وثيقة تتجاوز في نصها الإسلاميين،
رغم أنها خرجت كمحاولة لصياغة مرجعية سياسية لإنهاء الحرب عبر وقف إطلاق النار، ومعالجة الكارثة الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية شاملة،
إلا أنها فجّرت خلافات واسعة لأنها لم تحظَ بإجماع القوى المدنية، ولأن بعض الأطراف اعتبرت أنها تُعيد إنتاج الأزمة أو تُقصي قوى معينة أو تُدار دون توافق سوداني كافٍ.
وتجاوز وثيقة أديس أبابا استبعادَ الإسلاميين ليس مجرد خطأ
فقد تكون القوى التي صاغت الوثيقة، وعلى رأسها صمود، أرادت أن تضع وثيقة مبادئ عامة تصلح كأرضية مشتركة،
لكن شكل الوثيقة بدا وكأنه محاولة لصياغة نص مقصود أن يكون جامعًا لا إقصائيًا.
غير أن هذه المحاولة لن تنجح لأنها تأتي في وقت يخالف المزاج العام الذي يميل إلى إقصاء الإسلاميين بإجماع مدني عريض وبرغبة أكيدة،
وقد لا يسمح بمحاولة تبديد هذه الرغبة في الوقت الحالي، لارتباط الإسلاميين بمسرح الجريمة،
ناهيك عن ستةٍ وثلاثين عامًا من حكمهم المستمر حتى الآن، والذي خلّف أسوأ الأزمات الغائرة التي لن يداويها هذا المسح الخارجي.

وهذا التجاوز في النص لاستبعاد الإسلاميين شمل حرفيًا ما كنت أخشاه من مشاركة صمود في هذا الفعل السياسي.
وقلت نصًا إن المشاركة في هذه الاجتماعات قد تخصم من رصيد صمود السياسي الذي حققته بعد الحرب،
فهذا التوقيع مع كيانات سياسية ليس لها دور أو تأثير جعل صمود تبدو في الصورة السياسية أقصر من قامتها.
وكان سيحقق مكسبًا كبيرًا لو قدّم صمود خطابًا واضحًا يربط بين العدالة واستبعاد الإسلاميين كاستحقاق قانوني وأخلاقي.
لكن الوثيقة، بتجاوزها هذا، كشفت التأثير الإقليمي عليها بشكل واضح الفاعل الخفي الذي أراد أن يجرّ القوى المدنية التي كانت عصية على الترويض إلى المربّع المجهول.
لكن لا بأس، فليس كل خطأ جريمة.

لذلك يبقى السؤال: كيف سيكون التصحيح لتتجاوز صمود دائرة الغموض حتى تعود إلى مكانها الطبيعي على منصة الثقة
وهذه ليست مهمة صعبة إذا أدارت الموقف بذكاء سياسي وبخطاب واضح يعيد وصل ما انقطع بينها وبين القاعدة السياسية والثورية التي تعترض على الخطوة، طالما أنها قالت إنها تستمد شرعيتها من الثورة.
فالقضية ليست في الوثيقة نفسها، بل في الصمت الذي ترك فراغًا جعل تفسير الموقف أقرب إلى التماهي أو التنازل.
وهنا يمكن لصمود أن تستعيد ثقتها عبر خطوات واضحة وفعّالة:
أن تجدد موقفها بأن استبعاد الحركة الإسلامية ليس محل مساومة.
والتأكيد على أن عدم ذكره في الوثيقة كان تكتيكًا تفاوضيًا وليس تغييرًا في المبادئ.
والتمسك بالعدالة الانتقالية وأن من ارتكب جرائم سيُحاسب بما فيهم الإسلاميين
وحسم الموقف بأن كل من شارك في الجرائم لن يكون جزءًا من المستقبل السياسي.
هذه المصارحة وحدها تعيد الثقة فورًا، لأنها تزيل الغموض الذي ربما تستغله أطراف أخرى.
ويمكن أن يكون ذلك عبر بيان سياسي واضح، أو عبر مشاركتها في منبر سويسرا،
فقد يكون المنبر فرصة ذهبية لصمود لاستعادة موقعها الطبيعي كقوة مدنية ثورية ذات مصداقية، إذا أحسنت استخدامه سياسيًا وإعلاميًا.

كما أن منبر سويسرا في نهاية يونيو الجاري، باعتباره منصة أوروبية محايدة، يمكن أن يمنح صمود فرصة جديدة ومساحة لتقديم خطاب واضح يعالج الالتباسات الأخيرة ويعيد وصلها بقاعدتها الثورية.
فما أعلنته سويسرا عن استضافة اجتماع للقوى المدنية ليس خطوة معزولة،
بل يأتي في سياق تحرك أوروبي واضح لاستعادة زمام المبادرة في الملف السوداني،
بعد أن بدا أن الأفارقة خصوصًا الإيغاد والاتحاد الأفريقي فقدوا السيطرة على المسار أو أصبحوا أقل تأثيرًا،
إذ لم ينجحا في جمع القوى المدنية أو فرض مسار واضح، بل زادت الانقسامات.
كما أن القلق الأوروبي من تمدد النفوذ الروسي والإقليمي في السودان يتصاعد،
فأوروبا ترى أن ترك الملف للأفارقة وحدهم يعني تركه لروسيا والإمارات ومصر وتركيا، وكلها قوى تتحرك بقوة في السودان،
إضافة إلى تفاقم الكارثة الإنسانية.

طيف أخير:

لا_للحرب

غدًا على الأطياف:
هل لعبت الكتلة الديمقراطية دورًا أخطر من الكيزان بصفتها مكونًا مدنيًا كانت ضربته أوجع فيما يتعلق بإسقاط الحكومة المدنية بالانقلاب، ثم أعادت الكرة لهزيمة الإطاري الذي كان مدخلًا للحرب،
إذن من الذي يملك الحق ليمنحها صكوك الغفران!

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة