حكومة بورتسودان : كيف تتحول الدولة إلى ماكينة جباية

الصحفية صفاء الزين
الصحفية صفاء الزين

بقلم: أ .صفاء الزين

عندما يعود الإنسان إلى السودان بعد تجربة نزوح أو لجوء قاسية، يكون محمّلًا بخسارات متراكمة وبقايا أمل في أن يجد داخل وطنه مساحة للاستقرار والطمأنينة. غير أن الواقع الذي يواجهه منذ اللحظة الأولى يكشف صورة مختلفة؛ فبدل أن تكون العودة بداية لاستعادة التوازن، تتحول إلى مواجهة جديدة مع ضغوط متلاحقة تفرضها الرسوم والجبايات والإجراءات المختلفة.
فالعودة في معناها الطبيعي ترتبط بالاستقرار واستعادة الشعور بالأمان والانتماء، لكنها في ظل الظروف الراهنة تفقد كثيرًا من هذه الدلالات. إذ يجد العائد نفسه أمام سلسلة من المتطلبات المالية التي تتزايد بصورة مستمرة، فيتحول من مواطن يبحث عن بداية جديدة إلى رقم داخل معادلة مالية لا ترى فيه سوى مصدر محتمل للإيرادات.
هذا التحول لا يعكس مجرد سياسات اقتصادية عابرة، بل يكشف أزمة أعمق تمس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين تصبح نظرة الدولة إلى مواطنيها محكومة بمنطق التحصيل والرسوم، تتراجع فكرة المواطنة بوصفها علاقة قائمة على الرعاية والمسؤولية المتبادلة، ويبدأ الإحساس بالانتماء في التآكل تدريجيًا.
وفي خضم هذه الأوضاع يبرز ارتفاع أسعار الوقود باعتباره أحد أهم العوامل التي تضاعف الضغوط المعيشية. فالبنزين لا يؤثر على قطاع محدد، وإنما ينعكس على مجمل تكلفة الحياة. ارتفاع أسعاره يقود إلى زيادة تكاليف المواصلات، ثم ينعكس على أسعار السلع الأساسية والخدمات المختلفة، لتتسع دائرة الغلاء وتصبح الحياة اليومية أكثر صعوبة. ومع كل زيادة جديدة تتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وتتراكم الأعباء على الأسر التي تعاني أصلًا من آثار الحرب والنزوح.
العائد الذي نجا من دائرة الخطر العسكري يجد نفسه داخل دائرة أخرى من الضغط الاقتصادي. ورغم اختلاف الشكل بين التجربتين، فإن النتيجة النفسية تبدو متقاربة؛ إذ يستمر الشعور بعدم الأمان، ويظل القلق حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. وهكذا تضيق المساحة التي تسمح للإنسان بالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب حياته.
وفي هذا السياق تبدو الجبايات وكأنها منهج متكامل لإدارة الواقع. فكل خدمة ترتبط برسوم، وكل إجراء يحمل تكلفة إضافية، وكل حركة داخل المجال العام تتطلب قدرة على الدفع. وينتج عن ذلك نمط من الحياة يقوم على الحسابات المستمرة، حيث يصبح التفكير في المال جزءًا من كل قرار مهما كان بسيطًا، الأمر الذي يستهلك طاقة الإنسان الذهنية والنفسية بشكل دائم.
وتزداد خطورة هذه الأعباء بسبب توقيتها. فالعائدون غالبًا ما يكونون قد استنزفوا مدخراتهم خلال سنوات النزوح، وفقد كثير منهم مصادر دخلهم واستقرارهم الاقتصادي. كما أنهم يحملون آثارًا نفسية واجتماعية عميقة خلفتها الحرب والتهجير. وعندما يواجه هؤلاء موجة جديدة من الالتزامات المالية فور عودتهم، يتعزز لديهم الشعور بأن معاناتهم لا تجد ما يكفي من التفهم أو المراعاة.
ومن هنا تتشكل صورة ما يمكن وصفه بـ«حكومة الجبايات»، أي سلطة تنظر إلى الواقع من زاوية الإيرادات والتحصيل، وتقيس نجاحها بقدرتها على جمع الموارد، بينما تتراجع الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية إلى الخلف. هذه الصورة تترك أثرًا عميقًا في وعي المواطنين، وتدفعهم إلى إعادة تعريف علاقتهم بالدولة على أساس التوجس والحذر بدل الثقة والانتماء.
فالعائدون يحملون معهم تجارب معقدة من النزوح والاغتراب والعمل في ظروف صعبة. كثير منهم عاش على الحد الأدنى من الكفاية، وتحمل أعباءً استثنائية في سبيل البقاء. ولذلك جاءت العودة بوصفها محاولة للبحث عن الاستقرار واستعادة جزء من الحياة الطبيعية. لكن استمرار الضغوط الاقتصادية يحول هذه العودة إلى مرحلة جديدة من الاستنزاف.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع غياب السياسات الداعمة والبرامج الفعالة لاستيعاب العائدين وإعادة دمجهم في المجتمع. فالآليات التي يمكن أن تخفف الأعباء تبدو محدودة، والرؤية المتكاملة لمعالجة آثار الحرب والنزوح تبدو غائبة. ونتيجة لذلك يجد الأفراد أنفسهم في مواجهة مباشرة مع التحديات دون أدوات حقيقية تساعدهم على تجاوزها.
ولا تتوقف آثار هذه السياسات عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي. فالإنسان الذي يشعر بأنه غير مرحب به، أو أنه يواجه الضغوط في كل اتجاه، يبدأ تدريجيًا في فقدان إحساسه بالانتماء. ويتحول الوطن في وعيه من مساحة للحماية والاستقرار إلى مساحة للعبء والمعاناة. وهذا التحول ينعكس على نظرته للمستقبل وعلى علاقاته الاجتماعية وثقته بالمؤسسات العامة.
ومع تراكم التجارب اليومية السلبية تتآكل الثقة تدريجيًا؛ الثقة في المؤسسات، وفي القرارات الرسمية، وفي الوعود التي تُطلقها السلطة. ويصبح الخطاب الرسمي أقل قدرة على الإقناع كلما اتسعت الفجوة بين ما يقال وما يعيشه الناس فعليًا. فالمواطن يقيس الواقع بتجربته اليومية لا بالشعارات أو التصريحات.
وفي هذا السياق تظهر حدود المقاربة الاقتصادية الضيقة للأزمة. فالأرقام التي تبدو منطقية في التقارير قد تتحول في حياة الناس إلى معاناة ملموسة. والعائد الذي يحاول إعادة بناء حياته يجد نفسه منشغلًا بتوفير الاحتياجات الأساسية والبحث عن العمل وتأمين متطلبات البقاء، بينما تتراجع قدرته على التخطيط للمستقبل أو تحسين أوضاعه.
هذا الواقع يخلق حالة مستمرة من الإرهاق النفسي والاجتماعي. فالضغوط لا تؤثر فقط على الدخل والمعيشة، بل تمتد إلى الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية والقدرة على اتخاذ القرارات. ويعيش كثير من الناس في حالة استنزاف دائم دون فرصة حقيقية للتعافي أو استعادة التوازن.
وفي العمق تكشف الأزمة عن غياب رؤية إنسانية شاملة في إدارة المرحلة. فالأزمات الكبرى لا يمكن التعامل معها من خلال الحسابات المالية وحدها، لأن الإنسان ليس مجرد رقم اقتصادي، بل كيان يحمل احتياجات نفسية واجتماعية وإنسانية إلى جانب احتياجاته المادية. وعندما يتم تجاهل هذه الأبعاد تتحول السياسات إلى أدوات تزيد الضغوط بدل أن تساهم في تخفيفها.
إن استمرار هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة على تماسك المجتمع واستقراره. فالمجتمع الذي يعيش تحت ضغط دائم يصبح أكثر هشاشة، وتتراجع قدرته على الصمود، بينما تتزايد التوترات الاجتماعية بصورة تدريجية. وفي المقابل كان بالإمكان تبني سياسات أكثر مراعاة لأوضاع العائدين، وإجراءات تخفف الأعباء عنهم، ورؤية تضع الإنسان في مركز الاهتمام.
وفي النهاية تعكس قضية العائدين أزمة أوسع تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. فطريقة التعامل مع هؤلاء تمثل اختبارًا حقيقيًا للقيم التي تحكم السياسات العامة وللنموذج الذي تتجه الدولة إلى بنائه. ويبقى السؤال مفتوحًا: أي دولة تتشكل في ظل هذه السياسات، وأي مستقبل ينتظر مجتمعًا يعيش تحت هذا القدر من الضغوط؟ إن الإجابة لا تُكتب في الخطابات الرسمية، بل تتشكل يوميًا في حياة الناس وفي قدرتهم على الاستمرار والشعور بأن وطنهم ما زال قادرًا على احتوائهم.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة