أطياف
صباح محمد الحسن
طيف أول:
إلى مَن تنتمي!!
إلى كُلِّ أولئك الذين لا ينتمي إليهم أحد، وإلى كُلِّ الذين وجدوا أنفسهم غُرباء حتى عن قلوبهم.
ومن قبل تحدثنا عن اهتزاز الغطاء السياسي الذي كان يعتمد عليه البرهان، الأمر الذي جعله يعيش متلازمة العزلة السياسية. وكلما لجأ الجنرال إلى الخطاب التصعيدي، كان ذلك يعود إلى شعوره بالفقد، لأن أدواته السياسية سقطت واحدة تلو الأخرى.
وتحدثنا عن أن الكتلة الديمقراطية كانت تُستخدم من قِبل البرهان كحاضنة سياسية تمنحه غطاءً مدنياً شكلياً، خاصة بعد أن فقد شرعيته داخلياً وخارجياً. أي أن هذه الكتلة كانت تعتمد على شرعية هشة مستمدة من البرهان نفسه، لا من جماهير حقيقية.
وفشل الكتلة الديمقراطية المتكرر أحبط البرهان ودفعه إلى التمسك بالحل العسكري.
والشواهد كثيرة على أن البرهان أدرك أن هذه الكتلة ليست بالحجم الذي يحقق له أحلامه، حتى إن الدول الإقليمية التي كانت ترفع واجهاتها لهذه الكتلة أصبحت تحرق ملفاتها السياسية بالتسريبات وملفات الفساد، ولأن الدول الإقليمية أدركت أن الكتلة ماهي إلا مجموعات فاشلة حاولت تعيد فيها الروح بالمنابر التي تجمع بينها وتحالف صمود حتى تسطيع أن تطلق عليها قوى مدنية
والخلافات ضربت صفوفها حتى تفتت الكتلة إلى كتل صغيرة أو كرات سياسية جعلت استخدامها لعبة سهلة في يد الفلول وأجهزتهم الأمنية.
وجوهر السوء أن الكتلة الديمقراطية لعبت دوراً أخطر من الكيزان في تقويض الحكم المدني الديمقراطي، لأنها مارست الدور نفسه ولكن بغطاء مدني. وهذا ما يجعل أثرها السلبي في السنوات الماضية أكبر على عرقلة الحكم المدني وأهداف الثورة، فخطورتها مضاعفة، وضررها أكثر تأثيراً على الوعي العام وعلى العملية السياسية.
لأنها قدّمت نفسها كقوة مدنية بينما أدّت وظيفة انقلابية، فكسرت الجبهة المدنية من الداخل، ومنحت الانقلاب شرعية زائفة، وخلقت انقساماً استغله العسكر لإسقاط الحكم الديمقراطي.
وأسوأ ما عانت منه ثورة ديسمبر وما تزال تعاني منه هو الغطاء المدني المضلل الذي تلعب دوره شخصيات تهتف باسم الثورة وتعمل لأجل الإسلاميين.
فكم من شخصية بثوب ثوري أو إعلامي أو حتى سياسي تعمل الآن لصالح مدير جهاز الأمن والمخابرات صلاح قوش، وتتغلغل وسط صفوف وقيادات الحكومة المدنية؟! سؤال ربما نجيب عليه قريباً.
فالكيزان خصم واضح يعرفه الجميع، أما الكتلة الديمقراطية فكانت ترتدي ثوب “القوى المدنية” وتتحرك بخطاب مدني، لكنها عملياً دعمت الانقلاب.
فلولا اعتصامها أمام القصر ومطالبتها بحل الحكومة المدنية، لما وجد البرهان مبرراً سياسياً للانقلاب.
وهذا أخطر من أي فعل سياسي واضح للكيزان، لأن الخطر هنا أتى من الداخل.
فكانت الأداة التي تم بها تفكيك الجبهة المدنية.
فالكيزان لم يستطيعوا اختراق قوى الثورة بسهولة، لكن الكتلة الديمقراطية شقّت الصف المدني وخلقت انقسامات داخل الحرية والتغيير، وقدّمت نفسها كبديل مدني جاهز للانقلاب.
وحملت الكتلة الديمقراطية العبء والذنب عن الكيزان، فهؤلاء كانوا سيُتهمون فوراً ، لكن الكتلة الديمقراطية منحت الانقلاب “غطاءً مدنياً”، وقدّمت ما يسمى بخطاب “تصحيح المسار”، الأمر الذي ساعد في إرباك المجتمع الدولي، فبدت الأزمة وكأنها (خلاف مدني – مدني) ، وليس انقلاباً عسكرياً.
أما الدور الأخطر للكتلة الديمقراطية فهو تبنّي عملية تسويق الحرب.
فبعد اندلاعها، لعبت الكتلة دوراً خطيراً لأن فيها من شارك في الحرب بالسلاح الذي قتل آلاف المواطنين، وتلوثت يده بالدماء كما تلوثت يد البرهان وحميدتي . وبعض مكوناتها التي لم تشارك ميدانياً دعمت خطاب الحرب وحاولت تبريرها سياسياً وأعطت الحرب شرعية مدنية وقدّمت نفسها كحاضنة للسلطة العسكرية.
لذلك كان واضحاً أنها تعمدت إرباك الوعي العام.
فالكيزان معروفون، والناس تفهم خطابهم ودوافعهم ، أما الكتلة الديمقراطية فكانت تتحدث بلسان مدني زائف، جعل المشهد يبدو وكأن المدنيين أنفسهم منقسمون حول الديمقراطية. ولهذا كانت الفاعل الخفي الأخطر من أي فعل مباشر.
طيف أخير:





تابعونا على