خطاب : في رفض ترشيح البرهان للحكم.. تشريح الفكرة وتشخيص الداء ورسم الدواء :

الدكتور الأمين بلال

June/14/2026
د/الامين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
أيها الشعب السوداني الأبي،
أولاً: في تفكيك فكرة “ترشيح البرهان للحكم”

انتكاسة على دماء الشهداء
قدمت ثورة ديسمبر قوافل من الشهداء لا تبتغي إلا دولة مدنية تحكمها المؤسسات لا البنادق. وشعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” لم يكن هتافاً عابراً، بل عهداً وميثاقاً. فترشيح قائد الانقلاب هو نكث للعهد، واغتيال لمعنى التضحية، وتحويل الدم الزكي إلى سراب.

تشريع لثقافة الدبابة
قبول ترشيح من صعد بالانقلاب، هو تقنين لمبدأ خطير: أن السلطة تُنتزع لا تُنتخب، وأن الدستور يُكتب بالرصاص لا بالتوافق. بهذا نفتح الباب لكل مغامر بعد عقد من الزمان ليقول: “سأنقلب، ثم أترشح، ثم أحتمي بقانون أكتبه بيدي”. وهكذا ندور في حلقة مفرغة من 1958 إلى اليوم بلا تقدم.

أزمة الثقة لا تُرمم بشخص
البرهان وقّع على الوثيقة الدستورية ثم نقضها. وعد بالانتخابات ثم نكص. فكيف نُسلّم مفاتيح الوطن لمن كسر القفل بيديه؟ الحكم ليس عقد إيجار يُجدد لمن أخفق في صيانة الدار. الثقة إذا انكسرت، لا يجبرها خطاب ولا تجميل.

تعميق الشرخ بدل رأب الصدع
ترشيحه لن يصنع وفاقاً، بل سيحفر خندقين: خندق السلطة والمال والسلاح، وخندق الشارع والرفض والدم. السودان لا يحتمل خندقاً جديداً. يحتاج جسراً يعبر عليه الجميع.
ثانياً: في تشخيص الداء الكامن وراء الفكرة
المعضلة ليست في “من يجلس على الكرسي”، بل في “ما هي قواعد الجلوس عليه”.
ترشيح البرهان هو هروب أنيق من الأسئلة الجوهرية التي تؤرق الوطن:

كيف نؤسس لجيش قومي واحد لا يرى في المواطن خصماً؟

كيف نسترد ثروات البلاد المنهوبة لتعود إلى خزينة الشعب لا جيوب النافذين؟

كيف نصالح بين أطراف السودان حتى لا يبقى المركز خصماً والهامش ضحية؟
الفكرة اختزال فجّ للوطن في فرد. وهذا داء السودان المزمن منذ الاستقلال: عبادة الأشخاص وتقديس الكراسي على حساب المؤسسات. والنتيجة دولة هشة، إذا مرض الحاكم مرض الوطن، وإذا غضب الحاكم سُجن الشعب.
ثالثاً: في رسم الدواء – مشروع دولة لا مشروع شخص
البديل ليس الفوضى، بل البناء. وطريق الخروج من النفق هو “دولة المؤسسات” وفق خارطة طريق واضحة:

الحل السياسي: حكومة كفاءات انتقالية محدودة المهام
مدة لا تتجاوز 18 شهراً، تُكلف بثلاثة ملفات مقدسة:مواصلة نهج إحلال السلام والمصالحة المجتمعية، إنقاذ الاقتصاد،وبناء جيش مهني ليس من إختصاصاته ممارسة السياسة والتدخل في النشاط الإقتصادي ؛ وتهيئة البلاد الي انتخابات حرة نزيهة. حكومة لا مكان فيها للمحاصصات وبالتأكيد لا للعسكر في الوزارات رئيس وزراء مدني ووزراء يمتلكون القدرة علي الإنحياز لقضايا الشعب وهمومه اليومية، والعسكر يعودون لصميم مهمتهم: حراسة الثغور.

الحل الأمني: احتكار مشروع للسلاح
دمج وتسريح كافة التشكيلات المسلحة الموازية خلال٢ ١ أشهر تحت رقابة إقليمية ودولية. وتحويل عقيدة القوات المسلحة من “حماية النظام” إلى “صون الدستور والحدود”. وإخضاع ميزانية الجيش لولاية وزارة المالية ومراقبة البرلمان.

الحل الدستوري: ميثاق انتقالي يجرّم الانقلاب
دستور مؤقت يحرم صعود السلطة بالدبابة، ويفصل بين السلطات فصلاً مانعاً، ويكرّس لا مركزية الحكم والثروة. بحيث تتحكم الأقاليم في 40% من مواردها، فتنتهي عقدة “الخرطوم تأكل والهامش يجوع”.

الحل العدلي: عدالة انتقالية لا مساومة فيها
لجنة مستقلة نزيهة للتحقيق في جرائم فض الاعتصام وجرائم الحرب. فلا استقرار بلا قصاص، ولا مصالحة بلا محاسبة. العدالة وحدها تطفئ نار الغبن وتؤسس لعقد اجتماعي جديد.

الحل الاقتصادي: من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج
إيقاف نزيف استيراد الكماليات، وتوجيه البوصلة نحو الزراعة والصناعة التحويلية. إخضاع شركات الذهب والدولار لولاية بنك السودان. وتحويل الدعم من المليشيات إلى رغيف المواطن ودوائه.
الخاتمة التي أخاطب بها ضمير الأمة
يا أهل السودان، ترشيح البرهان تكريس للإستبداد لمرض مزمن. يُسكّن الألم لحظة، لكنه يترك المرض يستشري في الجسد.
الوطن لا يبنيه التسلط، تبنيه القواعد. نحتاج نظاماً يُحاسب المخطئ أياً كان، ويُكافئ المُحسن عبر الصندوق لا عبر الانقلاب.
الشجاعة ليست في التشبث بالسلطة، الشجاعة في تأسيس دولة لا تحتاج إلى بطل كي تقوم.
*لا لترشيح العسكر.. نعم لدولة القانون والمواطنة والديمقراطية.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة