لماذا ينبغي أن تستيقظ القبائل قبل أن تشتعل الحرائق؟

عروة الصادق
عروة الصادق

عروة الصادق
ما تشهده بعض مناطق دارفور اليوم من توترات بين أهلنا قبائل البني هلبة والسلامات، وما يلوح في الأفق من احتمالات صدام – لا قدر الله – بين أهلنا التعايشة وأهلنا الهبانية، وبين أهلنا البرتي وأهلنا الزيادية، وبين أهلنا القمر وأهلنا الفلاتة، لا ينبغي النظر إليه باعتباره أحداثًا محلية معزولة أو خلافات أهلية طارئة، لأن السودان يقف أمام لحظة شديدة الخطورة، حيث تتحرك تحت الرماد مشاريع لإعادة تشكيل الصراع الأهلي وتحويل القبائل إلى وقود لحرب أهلية مفتوحة ومتعددة الجبهات، ووإن أخطر ما في الحروب الأهلية أنها تبدأ بخلاف محدود، ثم تتحول إلى جغرافيا كاملة من الثأر والانتقام والنزوح والانهيار.
طوال عقود مضت طور نظام الرئيس المخلوع “عمر البشير” عبر أجهزته الأمنية ما يمكن وصفه بـ”هندسة النزاعات القبلية”. لم يكن ملف القبائل مجرد أداة إدارية لإدارة التنوع، ولكنه تحول إلى منظومة أمنية معقدة تقوم على دراسة التناقضات التاريخية “أمن القبائل”، ورصد النزاعات حول الأرض والموارد والمسارات، وتحديد نقاط الاحتكاك القابلة للاشتعال، ثم استخدامها عند الحاجة لإعادة تشكيل موازين القوة السياسية والعسكرية. هذه المقاربة أنتجت ما يمكن تسميته “أضابير أمن القبائل”، وهي ملفات قائمة على معرفة دقيقة بالتركيبة الاجتماعية ومسارات التأثير والقيادات التقليدية ومفاتيح التعبئة والانقسام.
الخطر اليوم أن هذه المقاربة لم تنتهِ بسقوط نظام البشير. كثير من الشبكات والعقول التي أدارت تلك الملفات ما زالت حاضرة داخل دوائر التأثير السياسي والأمني والإعلامي التي ورثها البرهان وأورثها لصبير ويعاونه في تنفيذها بعض أبناء هذه القبائل، الذين ينظر بعضهم إلى الحرب الحالية باعتبارها فرصة لإعادة توظيف التناقضات الأهلية، وصناعة حرائق جانبية تؤدي إلى إنهاك المجتمعات المحلية، وإعادة رسم خرائط النفوذ، وإضعاف أي مشروع قومي جامع.
المؤشرات القادمة من دارفور تثير قلقًا بالغًا، لأن الصراع بين البني هلبة والسلامات قد يتحول إلى نموذج قابل للاستنساخ في مناطق أخرى بفعل استخبارات الجيش وعناصره التي تخدم مشروع التفكيك الاجتماعي، فكل اشتباك قبلي يفتح الباب أمام استدعاء ذاكرة المظالم القديمة، وتوسيع دوائر التعبئة، وإعادة إنتاج خطاب الثأر، ثم انتقال العدوى إلى مكونات اجتماعية أخرى. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ لا توجد حرب قبلية تتوقف عند حدودها الأولى.
الأمر نفسه ينسحب على كردفان الكبرى، حيث تتزايد المخاوف من محاولات الدفع نحو فتنة واسعة في منطقة دار حمر، أو ما يعرف محليًا بـ”فروة النمر”، أي اشتعال بين أهلنا حمر وأهلنا البني فضل، أو بين أهلنا حمر وأهلنا المعاليا، أو بين أهلنا حمر وأهلنا المسيرية، أو بين أهلنا حمر وأهلنا الرزيقات، وغيره من الفتن لن يبقى حدثًا محليًا محدودًا، هذه المنطقة تمثل عقدة جغرافية واجتماعية واقتصادية شديدة الحساسية، وأي انهيار فيها قد يقود إلى إعادة إنتاج سيناريوهات دارفور بأشكال أكثر تعقيدًا واتساعًا.
كذلك تبدو مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق عرضة لمخاطر مشابهة، لأن الحرب الحالية أضعفت مؤسسات الدولة، وأطلقت ديناميات تسلح واسعة، وعمقت مشاعر الخوف وانعدام الثقة، وهي بيئة مثالية لتمدد الصراعات الأهلية، ففي لحظات الانهيار الكبير، تصبح الشائعة أخطر من الرصاصة، ويصبح خطاب الكراهية أسرع انتشارًا من أي مشروع للسلام، وهو ما يعمل عليه هذا الجسم العطن لبث الفتنة بين مكونات جبال النوبة والجبال الشرقية وهو ما ينبغي تداركه.
ذات النموذح يمثل قنبلة موقوته قابلة للأنفجار في شرق السودان واستخدمتها اجهزة البرهان في بورتسودان وكسلا بين أهلنا النوبة وأهلنا البني عامر وغيرهم من قبائل الشرق وخلقت اصطفافا نشهده اليوم في معسكرات التدريب القبلي التي تجاوزت حدود السودان لتنشأ في إرتريا، وكلهم يحتمي بسلاحه ليوم كريهة نسأل الله ألا يأتي على أهل شرقنا الحبيب الذي ظل مظلوما طوال تاريخه في كل الحقب والعهود حتى وهو يستضيف برحابة صدر حكومة النازحين من الخرطوم التي لم تقدم له طوال ثلاث سنوات إلا الظلم والتهميش والتسفيه.
لذلك فإن الواجب التاريخي على القبائل السودانية اليوم يتمثل في اليقظة الكاملة تجاه أي دعوات للتعبئة والتحريض والاستقطاب الأهلي، لأن القبيلة في السودان ظلت عبر التاريخ مؤسسة اجتماعية للحماية والتكافل والصلح، ولم تُخلق لتكون منصة لحروب الإبادة والانتحار الجماعي، وحريق القبيلة لا يحرق خصومها فقط، وإنما يحرق أبناءها، ويدمر اقتصادها، ويهجر أهلها، ويبدد نفوذها الاجتماعي والسياسي لعقود طويلة.
كما أن على أبناء هذه القبائل الذين ينشطون داخل ما يعرف بتنسيقيات القبائل في الخرطوم وبورتسودان من الذين يقتاتون من دماء أهلهم وأموال الذهب وتجارة الأزمات وغيرها أن يتأملوا تاريخ من سبقوهم، كثيرون خدموا النظام السابق (نظار وعمد مكوك وشراتي وشيوخ ومقاديم وغيره)، وانخرطوا في مشاريع التعبئة والاستقطاب، ثم انتهى بهم الأمر إلى الخسارة السياسية والاجتماعية، بينما دفعت مجتمعاتهم أثمانًا باهظة من الدم والتهجير والخراب، أذكرهم أن السلطة قد تستخدم القبيلة في معركة عابرة، ثم تتركها تواجه وحدها نتائج الاحتراب والانقسام.
الحقيقة التي ينبغي أن تدركها كل المكونات السودانية أن حريق دارفور لن يتوقف في دارفور، وحريق كردفان لن يتوقف في كردفان، وحريق النيل الأزرق لن يبقى داخل حدوده الجغرافية، السودان اليوم مترابط على نحو يجعل أي انفجار أهلي واسع بداية لمرحلة جديدة من التفكك الوطني، وانهيار الاقتصاد، وتوسع النزوح، وتآكل ما تبقى من الدولة.
إن المعركة الحقيقية أمام القبائل السودانية ليست مع جيرانها ولا مع شركائها في الأرض والموارد، وإنما مع مشاريع الاستثمار في الخوف والكراهية، ومع كل من يسعى إلى تحويل التنوع السوداني إلى وقود لحروب لا تنتهي. فالتاريخ السوداني يقدم درسًا قاسيًا وواضحًا: كل من أشعل نار الفتنة القبلية ظن أنه قادر على التحكم في اتجاهها، ثم انتهى الأمر بأن التهمته النيران نفسها.
السودان اليوم يحتاج إلى ميثاق يقظة مجتمعية واسع، يقوم على رفض التحريض، وتجريم خطاب الكراهية، وإحياء آليات الصلح الأهلي، وبناء جسور الثقة بين المكونات المحلية، وإدراك أن حماية القبيلة تبدأ بحماية القبائل الأخرى، وأن بقاء أي مكون اجتماعي في السودان أصبح مرتبطًا ببقاء الجميع.
فالقبائل التي ترفض أن تكون وقودًا للحرب، وتغلق أبواب الفتنة، وتحمي نسيجها الاجتماعي، لن تحمي نفسها فقط، وإنما ستحمي السودان من السقوط في أخطر مراحل تاريخه الحديث: مرحلة الحروب الأهلية المتناسلة التي لا تترك وراءها منتصرين، وإنما أوطانًا مكسورة ومجتمعات مثخنة بالجراح.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة