ما يحدث اليوم من حراك سياسي ما هو إلا مجرد واجهات لحماية السلطة القائمة! الواجهات ظلت آفة مسيطرة على المشهد السياسي السوداني منذ ولادته، وما زالت. اقتلاع هذه الواجهات والقضاء عليها ليس بالأمر السهل. فهي في ازدياد وانتشار وفي قدرة على تبديل جلدها كلما تعقد الموقف، وكلما وقف الناس في مفترق الطرق. إن هذه الواجهات تموت حينما تكتشف ويكتشف زيفها وضررها وكوارثها؛ لتستبدل مباشرة بواجهة جديدة؛ لتقوم بذات الدور . وهكذا مع مرور الحقب وتعاقب الفترات في الشأن السياسي السوداني قويت هذه الواجهات السياسية للدرجة التي أصبحت تسيطر على كل المشهد، ولم يعد هناك أي بديل آخر قادر على مواجهتها. هذه الواجهات تظهر حينما يضعف المشهد السياسي. حينما تتسمر أمامها كل الحلول. حينما لم يعد لها حيلة. حينما لم يعد لها حل جراء سياسات هذه الواجهات المدمرة لأي إصلاح سياسي.. تفرض هذه الواجهات السياسية وجودها بحيث تعمى أمام عبر وعظات التاريخ، وأمام حقائق الواقع. إن هذه الواجهات لا ترعوي، ولا تسترجع، ولا تدرك كوارث فعلها. تنحصر مهمتها في كونها إذا عجزت واحدة من هذه الواجهات عن القيام بدورها يشرع مباشرة في خلق واجهة جديدة. كل عملها أن تواصل ذات العمل الذي كانت تقوم به الواجهة السابقة . فبدلا من أن تصنع سياسات تزيل هذه الواجهات. وبدلا من أن تفتح آفاق أمام طريق معبد يقوم بصنع إصلاحات تعمل على إزالة هذه الواجهات. إصلاحات تعمل على إبعاد كل ما من شأنه أن يزيل هذه الواجهات من المشهد السياسي. أبدا. كل ما يحدث هو العمل على إعادة ذات الواجهة بثوب جديد . إن هذه الواجهات السياسية تظهر كما الآفات كلما وصل المشهد السياسي إلى طريق مسدود.. إن هذه الواجهات التي تدعم وتقوي وتبقي المشهد القائم تتمتع بصفات في غاية الخطورة منها:
لا تتمتع هذه الواجهة بأي طاقة أخلاقية أو مبدأ أو قيمة تحركها حيث تنحصر طاقاتها في أمرين: الأول هو قدرتها على استغلال الموقف، والآخر هو في كونها تستطيع مقاومة العاصفة التي تبعد المشهد القائم.
هذه الواجهة لا تعرف صديقا قديما، ولا تعرف عدوا حاضرا، ولا تعرف قضاء ماثلا، ولا تعرف تصريحا أو موقفا سابقا. كل ما تعرفه هو قدرتها على احتواء الموقف، وتمكين المشهد القائم من أن يظل موجودا. كل المشاهد السياسية على مر تاريخ السودان الحديث لم تغب عنها هذه الواجهات السياسية التي تعمل وظيفتها على إبقاء المشهد القائم، ولا علاقة لها بأي إصلاح سياسي. إن توقيت هذه الواجهات مرتبط بعجز واجهة؛ لتحل محلها . وبمتابعة هذه الواجهات نجدها في كل مرة تقفل الباب أمام أي إصلاح سياسي. جاء استقلال السودان بحكومة وطنية، وما لبثت هذه الحكومة أن تضع أقدامها إلا وظهرت عليها واجهة سياسية؛ لتخطف المشهد السياسي برمته في شكل انقلاب عسكري بقيادة الفريق عبود. استمر مشهد الفريق عبود إلى أن سقط، وما أن بدأ المشهد السياسيي يتماثل إلى الشفاء مرة أخرى عبر ثورة أكتوبر إلا وظهرت له واجهة سياسية أخرى بقيادة المشير جعفر نميري . وهكذا استمر المشهد السياسي تلاحقه الواجهات السياسة؛ لتعمل على القضاء على أي مبادرة تسعى لإصلاحه. تكرر ذات الأمر مع حكومة الصادق المهدي حيث كانت حكومة الإنقاذ واجهته التي قضت عليه. وها هو ذات المشهد يتكرر اليوم بعد أن فشلت واجهة انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر لعام 2021. وبعد أن فشلت واجهة الحرب في أن تكون بديلا لثورة ديسمبر 2019. فالشاهد في الشأن السياسي السوداني أنه ما أن تفشل واجهة، وتصبح غير قادرة على حماية المشهد القائم إلا وتظهر واجهة جديدة بديلة لإبقائه. وعلى هذا الفهم، فما يدور اليوم في الساحة السياسية هو بمثابة المخاض لولادة واجهة جديدة؛ لحماية المشهد القائم. هذا المشهد الذي لا علاقة له بأي شرعية. فالكوارث تلاحق المشهد السياسي إزاء الحكومات الغير شرعية بسبب عدم المقدرة على إيقاف هذه الواجهات. بسبب عدم المقدرة على وأدها في مهدها. هذه الواجهات التي تعمل على إحياء، وإعادة تدوير الحكومات الغير شرعية. فلتترقبوا الواجهة الجديدة خلال بضعة أيام؛ لتقوم بحماية، وإبقاء المشهد القائم.