أنا ضد عسكرة الدولة أو الحكم العسكري والكيزان وكافة المليشيات بكافة أنواعها، ولكن لو أنني كنت أحمل (القناعة) كما يحملها بعض الأرزقية والمصلحجية بالحكم العسكري وعودة الكيزان وعسكرة الدولة وأرى في المليشيات خلاصاً للوطن وأحمل ذلك بالمنطق والحجج القوية الراسخة، لأعلنت ذلك ودافعت عن موقفي بكل شجاعة دون (لف ودوران) على منطق الأشياء أو ثوابت الواقع، ولكن لا أجد في قناعتي ما يجعلني أسطف خلف العسكر والحكم الديكتاتوري أو أؤيد وجود مليشيات، أما عن عودة فلول العهد المباد فلا أحد حتى من المخالفين في الرأي يؤيد ذلك مثلي.
والواضح الذي لا جدال فيه بأن كافة الذين يقفون خلف الانقلاب العسكري لديهم أجندة ذاتية لا علاقة للوطن بها أو مستقبله؛ فالفلول من كيزان العهد المباد كانوا في البدء يجاهدون للعودة للحكم على أكتاف العسكر مرة أخرى، وبذلوا كل ما في وسعهم لتحقيق ذلك لدرجة إشعالهم الحرب، ولكنهم خلصوا أخيراً إلى أن كافة الشعب لن يتقبل عودتهم مرة أخرى، فأتجهوا لأخف الأضرار وهو مشاركتهم في الحكم ولو بصورة (رمزية) حتى يتمكنوا من الحفاظ على بعض ما نهبوه خلال فترة سيطرتهم على مقاليد الحكم، أما بالنسبة لمليشيات الغرب المشتركة فقياداتها من (مدمني) السياسة استغلوا الصراع التاريخي بين (العرب والزرقة) الذي أشعله الكيزان هناك،
وبدلاً من السعي لحل هذا الخلاف بالحوار وتوزيع الحقوق بالحسنى حتى يتعايش إنسان الغرب في سلام، عملوا على زيادة نيران الفتنة لعلمهم بأن الوصول لسلام يعني بالتالي فقدهم للمناصب، أما الأرزقية من أمثال التوم هجو وترك والجاكومي وكيكل والأعيسر وغيرهم فالشعب السوداني يعلم بأنهم بلا منطق أو قضية سوى مصالحهم الشخصية، لذلك تجدهم يتلوون في تصريحاتهم ويلوون عنق الحقيقة بمنطق معوج لإرضاء أولياء نعمتهم من مغامري العسكر. وما خرجت به القوى الوطنية المناهضة للحرب بعد اجتماعها أمس بأديس أبابا هو عين المنطق والوطنية، من هيكلة لعملية السلام في ثلاثة مسارات متزامنة؛ وهي المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، ومسار سياسي صريح وشفاف يستهدف علاج (جذور) الأزمة السودانية، وهي الخطوط العريضة التي يُعلم بأنها الأمثل لكل الشعب السوداني، وكل واحد منها يجب أن يوضع في مسار منفصل يتبنى رؤية عملية واضحة وشفافة على أن يعملوا مجتمعين بالتوازي لفتح مسار لآفاق مستقبل لسودان جديد على خطى ثورة ديسمبر، وهي المنطق الوحيد الذي يمكن لكافة الشعب السوداني تقبله.
هذه المسارات لا تحتاج لـ(فوهة بندقية) لتنفيذها، بل تحتاج فقط بأن يراجع الجميع موقفهم مما يجري في البلاد، وأن يتنازل الجميع عن أطماعهم في سلطة أو ثروة زائلة، وينظرون للأمر من زاوية وطنية ومستقبل أجيال قادمة تسجل لكل متخاذل هفوته ولكل وطني صادق متجرد مكانه في كتاب الوطن الأبيض؛ فالأعمار مهما طالت بها الأطماع قصيرة، ولكن الأرض والتراب والتاريخ هو الباقي، وستلاحق اللعنات كل من أجرَم في حقه، وتُكتب بأحرف من نور سيرة كل من تجرد وضحى من أجل أن يفتح أبواب الوطن الحر الديمقراطي المزدهر.. وشواهد التاريخ تقول ذلك.. وثورة الشباب التي بدأت نحو السودان الجديد أبداً لن تتوقف. والحساب ولعنات التاريخ ستلاحق كل من أجرَم في حق الوطن. وتظل أرواح شهدائنا الخالدين هي الأكرم منا جميعا.