أعمدة ومقالات

مسرحية الحصانة.. حين يمنح المجرم صك البراءة للضحية

د. الأمين بلال مختار

alaminmukhtar@hotmail.com

إن أخطر ما في قرارات الفريق البرهان ووزير عدله ليس الاستهبال، ولا التحايل، ولا العبث، بل التخدير.

فالتخدير هو السلاح الأخير لكل سلطة فاشلة؛ حين تعجز البندقية عن إسكات الناس، وتعجز الكذبة عن إقناعهم، لا يبقى أمامها سوى تخديرهم. وما يجري اليوم في السودان ليس إلا عملية تخدير جماعي ممنهج.

أولاً: التخدير بالحوار الوهمي

الشعب يموت جوعاً وقصفاً ونزوحاً، ويصرخ بملء حنجرته: أوقفوا الحرب.

فيأتيه الرد من الجنرال: تعالوا لنتحاور!

حوارٌ على ماذا؟ والحرب مشتعلة؟ وهل تحاورت دولة في التاريخ وهي تحترق؟

إن الحوار الحقيقي يقتضي وقفاً لإطلاق النار، ويقتضي ثقة متبادلة، ويقتضي وجود دولة. وأنتم لا تملكون شيئاً من ذلك.

إذاً، هذا الحوار ليس حلاً، بل هو بنجٌ موضعي، وحقنة تخدير لتمرير الوقت، والتقاط الأنفاس، وإقناع الخارج بأنكم تفعلون شيئاً، بينما على الأرض لا يوجد سوى المزيد من الدماء.

ثانياً: التخدير بفكرة العفو والحصانة

“سنشطب البلاغات.. ولن نلاحق من يدلي برأيه في الحوار”.

هذه الجملة تخديرية بامتياز، توحي بأن هناك انفراجة، وأن هناك حرية، وأن سلطة العسكر قد بدأت تلين.

والحقيقة عكس ذلك تماماً. هذه ليست انفراجة، بل هي مصيدة.

أنتم تشطبون بلاغات الفلول الذين تريدون عودتهم للتصفيق لكم – ويكفي الحرية التي يتمتع بها المخلوع عمر البشير ومن معه – وتبقون بلاغات الخيانة والإرهاب معلقة على رقاب القوى المدنية الشريفة التي قالت لا للحرب.

إن القوى المدنية والناشطين والصحفيين لم يرتكبوا جرماً سوى أنهم انحازوا للسلام، ودعموا وقف الحرب، وطالبوا بالحكم المدني الديمقراطي. فكانت مكافأتهم البلاغات الكيدية، ومصادرة الجوازات، والتشريد في المنافي.

أنتم لا تمنحون حرية رأي، أنتم تمنحون حصانة لمن يوافقكم الرأي فقط.

ثالثاً: التخدير بفكرة الدولة والمؤسسات

يظهر وزير العدل أمام لافتة “المركز الإعلامي لوزارة العدل” وكاميرات الفضائيات، ليتحدث بوقار مصطنع عن القانون والإجراءات الجنائية.

المشهد برمته تخدير بصري، يوحي بأن هناك دولة، ووزارة، وقانوناً، وعدالة.

والحقيقة الصارخة أنه لا توجد دولة.

لو كانت هناك دولة، فمن الذي فوض مجلس السيادة الانقلابي، غير المنتخب، ليمنح صكوك التجريم والغفران حسب مقتضيات الاستهبال والمكر؟

ولو كانت هناك مؤسسات مهنية، فمن الذي سمح لرئيس مجلس السيادة بالتدخل السافر في صميم عمل النيابة العامة والقضاء، ليحدد من تفتح ضده البلاغات بسبب قوله كلمة الحق ودعوته للسلام؟

ولو كان هناك قانون، فلماذا يقبع آلاف الشباب في السجون ببلاغات كيدية لأنهم قالوا “لا للحرب”، بينما تمنح الحصانة لمن أشعل الحرب؟

لا يوجد شيء. يوجد ديكور لدولة، وممثلون يؤدون دور الدولة، بينما الدولة الحقيقية مدفونة تحت أنقاض الخرطوم.

الحقيقة التي يحاولون تخديرها

إن البرهان ومن معه من المتحاربين وداعمي الحرب من فلول الحركة الإسلامية هم أساس الجريمة.

الانقلاب هو الجريمة الأم، وإشعال حرب الخامس عشر من أبريل هو الجريمة الكبرى، وتدمير المؤسسات وتحويل القضاء إلى أداة قمع هو الجريمة المستمرة.

فكيف لمن ارتكب كل هذه الجرائم أن يصبح هو الطبيب الذي يخدرنا بالحوار؟

إن الطبيب الحقيقي هو من يوقف النزيف أولاً، لا من يعطي المريض مخدراً بينما النزيف مستمر حتى الموت.

الخلاصة المرة

هذا الحوار ليس حواراً لوقف الحرب، بل هو تخدير لاستمرار الحرب.

هو حوار لشرعنة الانقلاب، وإعادة تدوير الفلول، وخداع المجتمع الدولي، وإسكات صوت القوى المدنية التي تقول الحقيقة العارية: لا شرعية لكم، ولا تفويض لكم، وما تفعلونه ليس إلا امتداداً للانقلاب، والتضليل، والاستبداد، والانفراد الكامل بالمشهد الوطني.

كفى تخديراً.

لقد أفاق الشعب السوداني من التخدير منذ زمن، يوم فض الاعتصام، ويوم انقلبتم على ثورته، ويوم أشعلتم فيه هذه الحرب القذرة.

ولم يعد ينفع معه تخدير. لا ينفع معه إلا الحقيقة كاملة، والعدالة كاملة، والدولة المدنية الكاملة.

وما دون ذلك، فإن كل قراراتكم ليست سوى حقنة هواء في جسد ميت اسمه سلطتكم.

ولا يصح إلا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة