أعمدة ومقالات

حين اختار الخليفة عبد الله أن يكتب خاتمته بيده

د الصادق الهادي المهدي

رحم الله الخليفة عبد الله بن السيد محمد خليفة الإمام المهدي، فقد كان رجلاً من أولئك الرجال الذين لا تُقاس عظمتهم بما خاضوه من معارك، وإنما بما اختاروه من مواقف حين تتساقط حولهم أسباب النجاة. وما أعظم الفرق بين رجلٍ تدفعه الوقائع إلى الموت، ورجلٍ يرى أبواب الحماية الاجنبية مشرعة أمامه، ثم يؤثر أن يعود إلى ميدان الخطر بعد عام من كرري ، وهو مختاراً أن تكون خاتمته في فروته شهادةً على ثباته، لا روايةً عن نجاته. لقد تولّى الخليفة عبد الله أمر السودان في واحدة من أعسر حقب تاريخه؛ إذ أحاطت به قوى الاستعمار إحاطة السوار بالمعصم. فالطليان والأحباش يتهددون حدوده الشرقيه، والفرنسيون يرقبون أطرافه من الجنوب الغربي، والإنجليز يتقدمون عليه من الشمال، في مشهدٍ لم يكن فيه السودان يواجه غزواً واحداً، وإنما عاصفةً استعماريةً تتداعى عليه من الجهات كلها. وكان يستطيع أن يجعل من صحارى دارفور وشعابها ووديانها حربا او حصناً منيعاً، وأن يختفي في مجاهلها بعيداً عن أعين المطاردين، فيحفظ لنفسه حياةً قد يبررها كثيرون بحسابات السياسة والضرورة. لكنه اختار غير ذلك. ابتعد إلى قلب كردفان، ثم اعاد ترتيب قواته وعاد إلى المواجهة، وكأنه كان يدرك أن الرجل الذي حمل راية الدولة لا يليق به أن يطويها بعيداً عن أرضها، وأن بعض المواقف لا تقبل الحساب بمنطق السلامة الشخصية.

ومن هنا، فإن أم دبيكرات لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها صفحة انكسار كما أراد لها خطاب المستعمر أن تكون، بل بوصفها صفحة من صفحات الكبرياء الوطني؛ ففيها وقف رجلٌ يعرف أن ميزان القوة قد اختل، لكنه لم يسمح لاختلال الميزان أن يُسقط من قلبه معنى المقاومة. هناك، كتب الخليفة عبد الله خاتمته بيده، ومضى تاركاً للتاريخ سؤالاً لا يزال قائماً: ماذا يفعل الرجال حين تضيق بهم الأرض ولا يبقى لهم إلا الموقف؟
إنصاف الخليفة عبد الله ليس انحيازاً أعمى للماضي، ولا محاولةً لتقديس التاريخ؛ وإنما هو ردّ الاعتبار إلى رجلٍ جرى تقديمه زمناً طويلاً من خلال عين المستعمر وروايته. ومن حق الأجيال أن تراه بوجهه الحقيقي، كما وصفه من عرفه: مهيباً، نبيهاً، صبيح الوجه، ثابت الجنان، عزيز النفس.
ومن هنا تأتي التحية والتقدير للدكتور عبدالله علي إبراهيم، على غيرته الوطنية، وعلى وفائه لذاكرة السودان، وعلى دعوته النبيلة إلى رفع صورة الخليفة عبد الله في أم دبيكرات؛ فالصورة هناك ليست ورقةً معلقة، وإنما استرداد لملامح رجلٍ حاولت يد التاريخ الاستعماري أن تحجبها. وليت هذه الدعوة تمتد إلى صور جميع شهداء السودان ورجاله الذين حملوا راية المقاومة، وفي مقدمتهم الخليفة علي ود حلو، والسيد نصر الدين الامام المهدي، وأبو جكة، وغيرهم من الشهداء، عليهم رضوان الله. فالصور ذاكرة، والذاكرة وطن. وحين نعيد إلى هؤلاء الرجال وجوههم، فإننا لا نستدعي الموتى من قبورهم، بل نسترد من التاريخ وجهاً من وجوه السودان؛ وجهاً عرف رجالاً لم يساوموا حين كان الثمن غالياً، ولم ينحنوا حين كانت الريح عاتية.

والتحية للفنان إبراهيم الكوة على جهده في استعادة ملامح الخليفة عبد الله، حتى يعود وجه الرجل إلى مكانه الطبيعي في الذاكرة السودانية؛ لا كما رسمه خصومه، وإنما كما يليق برجلٍ اختار أن يجعل من أم دبيكرات آخر فصول حياته، وأحد فصول كرامة السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة