أعمدة ومقالات

هل الحرب هي السبب.. أم أن المشكله في (( الخلل الاداري ))

( ٢ )

بقلم السفير الصادق المقلي.

ولعل المفارقة الأكبر في طرح الاستاذ عثمان ميرغني تكمن هنا…

في الوقت الذي كان فيه السودان يخرج من منظومة التمويل والتنمية الدولية، كان العالم يتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا لمعالجة أزمة الطاقة في أفريقيا.
فـ Mission 300، وهي مبادرة مشتركة يقودها البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، تستهدف إيصال الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي بحلول عام 2030. وفي حديث للبنك الدولي عن المبادرة، أُشير إلى ضخ ما بين 30 و40 مليار دولار من رأس المال العام الميسّر في هذا الجهد، بين البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية.
ثم أعلنت المؤسستان في قمة الطاقة الأفريقية في دار السلام خططًا لتخصيص نحو 48 مليار دولار من التمويل حتى عام 2030 ضمن Mission 300.
تأملوا المفارقة جيدًا:
كما أن انقلاب اكتوبر ٢٠٢١ حرم السودان من اسبوع الماء الافريقي في يوليو الماضي في انجمينا حيث تعهد شركاء التنمية بتوفير الماء و معيناتها مثل الكهرباء و الطاقة الشمسية ل ٤٠٠ مواطنا أفريقيا..
مثلما غاب السودان من قمة أفريقيا فرنسا تحت مسمي Africa FORWARD في يونيو الماضي في نيروبي حيث تعهدت فرنسا بتمويل التنمية المستدامة في إفريقيا ب ٢٣ مليار دولار..
و بالمثل غاب السودان من اسبوع أبوظبي للطاقة البديلة و خاصة الهيدروجين الأخضر بشراكة بين الإمارات و الوكاله الدولية للطاقات المتجددة ERINA و السودان عضو في هذه المنظمة الدولية.
العالم يتعامل مع الكهرباء باعتبارها أساسًا للتنمية والإنتاج والزراعة والصحة والتعليم وخلق الوظائف، ويضع عشرات المليارات من الدولارات لمعالجة أزمة الطاقة في أفريقيا، بينما السودان، الذي كان في أمسّ الحاجة إلى هذه الموارد، وجد نفسه بعد انقلاب أكتوبر 2021 خارج مسار التمويل الدولي، ثم جاءت الحرب لتدمر ما تبقى من بنيته التحتية.
فإذا كانت خسائر قطاع الكهرباء السوداني وحده قد قُدرت بنحو 3 مليارات دولار، فهل يعقل أن نختزل هذه الكارثة كلها في «خلل إداري»؟
أين الخلل الإداري في ثلاثة مليارات دولار من الدمار؟

أين الخلل الإداري عندما تتعرض منشآت الكهرباء والمياه للقصف والتدمير؟
أين الخلل الإداري عندما يؤدي انقطاع الكهرباء إلى توقف محطات المياه، وتعطيل الزراعة، وتوقف المصانع، وإفساد المنتجات، وشل المستشفيات والخدمات؟
وأين الخلل الإداري عندما يكون السودان نفسه قد حُرم، بعد الانقلاب، من جزء مهم من مسار التعاون والتمويل الدولي، ثم جاءت الحرب لتضاعف الخسائر؟
هنا تحديدًا تصبح المقارنة مع مصر أكثر غرابة.
مصر كانت تستعد لاحتمال تفاقم أزمة الطاقة.
أما السودان، فكان يعيش الأزمة بالفعل، ثم جاءت الحرب لتدمر جزءًا من البنية التي تقوم عليها منظومة الكهرباء والمياه.
الفرق ليس تفصيلًا.
هناك دولة تستعد للأزمة، ودولة دمرت الحرب جزءًا من قدرتها على مواجهة الأزمة.
فكيف نضع التجربتين في كفة واحدة، ثم نستخلص منهما أن المشكلة السودانية أساسها «الخلل الإداري»؟
هذا ليس مجرد اختلاف في التقدير الاقتصادي.
هذه مشكلة في تشخيص الواقع نفسه.
والأهم في رأيي أن هذه الإضافة تجعل حجتك لا تقول إن «الإدارة غير مهمة»؛ بل تقول شيئًا أكثر دقة: الإدارة تستطيع أن تحسن أو تسيء إدارة الموارد، لكنها لا تستطيع منع صاروخ أو مسيّرة من تدمير محطة كهرباء، ولا تستطيع تعويض دولة عن مليارات الدولارات من البنية التحتية المدمرة، ولا تستطيع بمفردها إعادة السودان إلى منظومة التمويل الدولي التي تأثرت بعد الانقلاب.
وهذه حجة أصعب بكثير على عثمان ميرغني أن يرد عليها بشعار «الخلل الإداري».

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة