أعمدة ومقالات

الهندسة الخبيثة.. عندما تباع الخرطوم لغرباء لا يعرفون حكاياتها

بقلم: أحمد عثمان محمد المبارك

تحت سماء الخرطوم المثقلة برائحة البارود ودوي المدافع، حيث يُفترض وفق كل منطق اقتصادي أن يتجمد رأس المال وتتوقف شهية الاستثمار العقاري، لتنمو في العلن والخفاء حركة بيع وشراء محمومة للمنازل والأراضي، وثّقتها تقارير وتحقيقات صحفية وميدانية رصدت تدفقاً لافتاً لعروض التنازل عن العقارات السكنية بأسعار زهيدة وتاريخية لم تشهدها العاصمة من قبل. هذه الظاهرة الواقعة بالفعل لم تعد مجرد تصرفات فردية معزولة لمتضررين يبحثون عن سيولة عاجلة، بل تحولت إلى مسرح لجريمة اقتصادية واجتماعية مركبة تتقاطع فيها مأساة الإنسان المقهور مع طموحات أثرياء الحرب وشبكات غسيل الأموال المنظمة.

​تبدأ خيوط هذا المشهد القاتم من زاوية البائع، حيث تبرز المعاناة الإنسانية الخانقة التي يعيشها السودانيون الذين شردتهم الحرب ودفعهم النزوح إلى بلاد اللجوء، لا سيما في مدن مثل القاهرة التي استقبلت مئات الآلاف من الأسر المنهكة. هناك، في بلاد الغربة، يجد اللاجئ السوداني نفسه محاصراً بضيق ذات اليد، وانقطاع مصادر الدخل، والتآكل المتسارع لمدخراته أمام مطحنة المصاريف اليومية وتكاليف الإقامة والتعليم والعلاج، فضلاً عن المعاناة المتكررة مع زيادات الإيجارات ووطأة الشعور بالتقلب وعدم الاستقرار. في ظل هذا الضغط النفسي والمعيشي الهائل، تولدت لدى قطاع واسع من الأسر رغبة جارفة في الخلاص من ذل الاستئجار والمهانة المرتبطة بالتهديد المستمر بالطرد أو البحث الدوري عن سكن بديل، مما جعل امتلاك شقة متواضعة في أطراف القاهرة أو غيرها من المدن ملاذاً وحيداً لصون الكرامة ولم شمل الأسرة في بيئة آمنة ومستقرة. ولم يكن أمام هؤلاء، بعد أن نفدت كل خياراتهم، سوى التضحية بأغلى ما يملكون في وطنهم، وعرض “بيت العمر” في الخرطوم أو أم درمان أو بحري للبيع العاجل بأي ثمن متوفر، لمجرد تأمين مقدم شقة تمليك في المهجر تؤويهم من تقلبات اللجوء.

​وهنا تحديداً تلتقي حاجة الضحية بشهية الجناة وسماسرة الأزمات؛ فالطرف المشتري الذي يملك السيولة النقدية الجاهزة في هذه اللحظة الاستثنائية ليس مستثمراً تقليدياً، بل هو في الغالب واجهة لشبكات انتفعت من اقتصاد الحرب وعمليات النهب الواسعة للمصارف والأسواق، أو متورطون في تجارة السلاح والموارد المهربة مثل الذهب. هذه الأطراف، التي تكدست لديها أموال سائلة ملوثة بالدماء والنهب وتعجز عن إدخالها في النظام المصرفي المعطل والرقابة المالية، تجد في العقارات الخرطومية المعروضة برخص التراب الوعاء المثالي لغسيل تلك الأموال وإعادة تدويرها. إن شراء المنازل الآن يتيح تحويل السيولة النقدية المنهوبة إلى أصول ثابتة ومحمية بسندات ملكية يصعب إسقاطها مستقبلاً، مما يمثل تبييضاً متكاملاً لثروات الحرب على حساب مآسي المواطنين.

​هذا التحول القسري لا يقف عند حدود الاستغلال المالي البشع، بل يتجاوزه ليدق ناقوس الخطر إزاء إعادة هندسة البنية الاجتماعية والديموغرافية للعاصمة السودانية. إن الخرطوم التي تشكلت هويتها الحضرية على مدى عقود طويلة من التجاور والتنوع والتماسك الطبقي والمدني تشهد اليوم عملية استبدال سكاني صامتة وخطيرة. فمع خروج سكان الأحياء الأصليين تحت وطأة الحاجة وقهر اللجوء، ودخول مشترين جدد ينتمون لبيئات ومجموعات ومراكز قوى ارتبط صعودها بفوهات البنادق، تتفكك الهوية المدنية الجامعة للمدينة لحساب واقع جديد يقوم على الفرز المناطقي والولاءات الضيقة وشراء النفوذ الجغرافي. هذا التبدل الديموغرافي لن تنتهي آثاره مع صمت المدافع، بل يزرع ألغاماً وبذوراً لصراعات أهلية واجتماعية مؤجلة؛ إذ سيجد أصحاب الأرض الأصليون أنفسهم حين يفكرون في العودة غرباء في مدينتهم، بعد أن ابتلعت نخب الحرب الطارئة جغرافيتها وحولتها إلى غنيمة خاصة.

​تكتمل مأساوية هذه الظاهرة بغياب المؤسسات العدلية وسجلات الأراضي الرسمية والمحاكم الموثوقة، مما فتح الباب على مصراعيه لبيوع مشوبة بالإكراه المعنوي الصارخ، أو التوكيلات المزورة، والعقود الصورية التي تتم خارج الأطر القانونية السليمة. إن ما يحدث اليوم في سوق عقارات العاصمة السودانية هو تصفية صامتة لملكية الطبقة الوسطى والمدنية التاريخية، وتحويل لأزمة اللجوء وضيق ذات اليد إلى أداة تكرس تهجيراً ناعماً ودائماً، ليبقى الوطن محروماً من أهله، بينما تُباع جدران منازله لتأمين جدران بديلة في المنافي والشتات تصون ما تبقى من كرامة الإنسان المنكوب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة