أعمدة ومقالات

حين يضيق الحاضر بصاحبه.. يفتّش في دفاتر الماضي

بسم الله الرحمن الرحيم
الواثق البرير
قرأت مقال السيد مني أركو مناوي، الذي حمل عنوانًا وقيمًا لا خلاف عليها: المحاسبة، والإنصاف، وبناء السودان ما بعد الحرب. وكنت أرجو أن أجد فيه مراجعات صادقة من شخص يعلم علم اليقين أن أهل دارفور دفعوا من دمائهم وأعمارهم ما يكفي. وبدلًا عن ذلك، فتح المقال دفترًا قديمًا ليقتطع منه سطرًا واحدًا يحمل روايات غير دقيقة، ليسقطها على وقائع في غير محلها، وقد حمّل وزر كارثة صنعتها أيدٍ أخرى، وفي زمن آخر، على حزب ليس طرفًا فيها.
وفي الرد على السيد مناوي، نحن لا ندافع عن حزب فوق المساءلة؛ فلا حزب فوقها، وإنما ندحض روايات مضللة، وندافع عن حق السودانيين في تاريخ صادق وحقيقي، ظل الكثيرون يحاولون تحريفه لمقاصد سياسية ليس من بينها رواية الحقائق.
وما يدعو إليه هذا المقال هو ضرورة التحقيق الشامل والجاد في تاريخ التسليح في بلادنا منذ الاستقلال.
استند مناوي في مقاله إلى مقترح تسليح القبائل الذي ارتبط باسم اللواء فضل الله برمة ناصر حين كان عضوًا في المجلس العسكري، ويجعل منه أصلًا لظاهرة الجنجويد، ثم لاحقًا الدعم السريع، اللذين هما من صنيعة نظام الحركة الإسلامية.
والوقائع التاريخية تثبت غير ذلك تمامًا.
لقد أكدت الوقائع التاريخية أن المقترح طُرح في المرحلة الانتقالية بعد أبريل 1985، ووقتها لم يكن لحزب الأمة وجود في السلطة. والذي حدث وقتها أنه بعد انتفاضة أبريل، أعلنت الحكومة الانتقالية وقف إطلاق النار من جانب واحد لتشجيع التفاوض، لكن الحركة الشعبية هاجمت قرى ومناطق في جنوب كردفان، مما أثار الذعر بين السكان.
وأُرسل وفد حكومي حينها برئاسة اللواء فضل الله برمة ناصر لاستجلاء الأوضاع، حيث طالبه الأهالي بتوفير الحماية أو مساعدتهم على الدفاع عن أنفسهم، وإلا سينضمون إلى الطرف الأقوى.
وبحسب الرواية الموثقة من القيادة العسكرية في ذلك الوقت، اقترح الوفد تسليح قبائل في مناطق التماس، (عربًا ونوبة)، بصورة قانونية ومؤقتة وتحت إشراف الجيش والشرطة، وذلك لصعوبة توفير الحماية العسكرية، وخشية انتشار التسليح العشوائي. ووافق المجلس العسكري ومجلس الوزراء الانتقالي على المقترح، لكنه لم يُنفَّذ بسبب حملة إعلامية معارضة قادتها الأحزاب العقائدية.
وهذا الإجراء المؤقت، الذي يحول دون التسليح العشوائي ويسهّل جمع السلاح بعد السلام، لم يُنفَّذ أصلًا، وظل فكرة لم تتحول إلى مشروع، ولم يكن لحزب الأمة أي دور في الحكم حين طُرح أصلًا.
وليقفز المقال من عام 1985 بصورة مبتورة، وكأن التاريخ خط مستقيم، مسقطًا حلقة انقلاب 30 يونيو 1989 الذي أسقط الديمقراطية، ومعها الرقابة البرلمانية والقضاء المستقل والصحافة الحرة. مع أن هذا النظام هو الذي وسّع سياسات التعبئة القبلية والمليشيات المسلحة، وسلّح مجموعة صغيرة لم تتعدَّ الخمسمائة، ومنحها التمويل والسلاح والغطاء السياسي والمؤسسي والقانوني، وأوكل إليها حروب دارفور منذ 2003، وما رافقها من اتهامات واسعة بجرائم ضد المدنيين.
هذا التسلسل التاريخي يعرفه السودانيون كلهم، ويعرفه مناوي نفسه قبل غيره. ومن أراد الحقيقة، عليه أن يسأل: من سلّح؟ ومن صنع المليشيات؟ ومن قنّن وضعها القانوني عبر القرارات البرلمانية؟ ومن أضعف مؤسسات الدولة؟ ومن عمل على تفكيك بنية المجتمع وتطبيق سياسة «فرّق تسد»؟ والواجب أن تُطرح الأسئلة عن الضحايا، بل وعن السياسيين الذين واجهوا هذه السياسات الخرقاء، وتم اتهامهم واعتقالهم في السجون حين انتقدوا «نعامة المك» الأثيرة عند النظام!
إن تسليح المجموعات المحلية والاستعانة بقوات غير نظامية لم يبدأ، ولم يحدث في أي من مراحله، خلال العهود الديمقراطية.
فقد عرف السودان المرحلة الأولى من التسليح منذ الحرب الأهلية في الجنوب، في عهد الفريق إبراهيم عبود، حين سُلّحت مجموعات قبلية عبر السلاطين عام 1963. أما ما عُرف بالمراحيل، فقد ارتبط بوحدات من القوات المسلحة كُلّفت بمرافقة مسارات الرعاة وحمايتها بعد اتفاقية أديس أبابا، ولم تكن مليشيات قبلية.
حزب الأمة القومي لا علاقة له بتكوين المليشيات ولا بتسليح القبائل، ولم يصدر في تاريخ وجوده في السلطة أية قرارات، ولا نفّذ أو موّل أي مليشيات. والاتهامات التي تُساق في هذا الشأن أصبحت سردية مزايدة لا يسندها قرار، ولا وثيقة، ولا شهادة موثقة.
وهي اتهامات ليست جديدة، وإنما هي نمط من الخطاب الذي دأبت الأنظمة الشمولية على ترديده لتبرير ما صنعته بيدها، لتحاول إلقاء وزر المليشيات على حكومة ديمقراطية قصيرة العمر، وتخفي أن من أنشأها وسلّحها وموّلها هو من أسقط الديمقراطية وجمع السلطة والسلاح معًا.
وحين يعيد مناوي إنتاج هذه الرواية اليوم، فإنه يمنح، عن قصد أو دون قصد، غطاءً تاريخيًا لسردية الشمولية نفسها، ويصرف الأنظار عن أصحاب المسؤولية الحقيقية.
وأخطر ما في المقال ما يوحي به من خلط واضح بين الجنجويد والمكوّن العربي السوداني. وحزب الأمة القومي، الذي جمع في صفوفه أهل السودان جميعًا بمختلف مكوناتهم، يرفض هذا الخلط. فالمليشيات ظاهرة صنعتها سياسات وحسابات سلطة ومال وسلاح، ولم تصنعها طبيعة قبيلة. واختزال المأساة في ثنائية «عرب ضد أفارقة» يخدم من يريد تحويل الصراع على السلطة والثروة إلى عداء دائم بين أبناء الوطن الواحد.
من حق أي سوداني أن يتحدث عن العدالة، لكن من يتصدى لكتابة التاريخ عليه أن يتحمل النظر في سيرته هو:
وقّع مناوي اتفاق أبوجا عام 2006، وتولى منصب كبير مساعدي الرئيس عمر البشير، ثم غادر السلطة وعاد إلى العمل المسلح. ووقّع لاحقًا اتفاق جوبا وشارك في السلطة الانتقالية، وأيّد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
وبعد إعلانه الحياد في بداية الحرب، عاد وانحاز إلى أحد طرفيها.
هي مسيرة تستدعي مساءلة التجربة السياسية والنظر في مسؤولية جميع الأطراف، بما فيها مشاركة مناوي في السلطة ومواقفه، ومدى التزامه بتنفيذ اتفاقيات السلام والتزاماتها تجاه النازحين واللاجئين وأصحاب الأراضي.
وأي اتهامات لحزب الأمة أو غيره ينبغي أن تُقدَّم بأدلتها إلى جهة تحقيق مستقلة، وقد طرح الحزب مقترح التحقيق في كافة الحقب التاريخية، ضمن تحقيق شامل في قرارات الحكومات المدنية والعسكرية منذ الاستقلال. وتبقى الأولوية لحماية المدنيين، وتحديد المسؤوليات عن الانتهاكات، وإنصاف الضحايا.
دارفور تستحق قائدًا يواجه المسؤولية ولا يهرب منها، وتستحق عدالة تبدأ من كشف الحقيقة كاملة. فإن شاء السيد مناوي أن يبدأ، فليبدأ بنفسه.
ولعل من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة: لماذا ظلّ التمسك بالمحاصصات ومواقع السلطة والحقائب الوزارية حاضرًا في الحسابات السياسية، بينما بقيت قضايا النازحين واللاجئين، واسترداد الأراضي، وإنصاف الضحايا، والترتيبات الأمنية معلّقة دون حلول؟ وهل كانت الأولوية حقًا لاستعادة حقوق أهل دارفور ورفع المظالم عنهم، أم لتقاسم السلطة والنفوذ والسيطرة على موارد الإقليم؟

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة