طيف أول: الحقيقة وحدها من تُفقد الشكوك المتسلقة إيمانها بالصعود.
وقد تنظر الجلسة المتوقعة اليوم في مجلس الأمن الدولي في مشروع القرار الجديد الذي تقدمت به واشنطن، والذي يركز على تمديد تقني مؤقت لنظام العقوبات الحالي المعمول به في إقليم دارفور فقط (القرار 1591)، لمدة تتراوح بين شهر إلى شهرين إضافيين. وأكدت الإدارة الأمريكية أن هذا الإجراء القصير يهدف إلى “إتاحة مساحة إضافية للجهود الدبلوماسية والمشاورات” بين الأعضاء. وقد تأتي القراءة في قرار مجلس الأمن رقم 2828 الصادر في 11 سبتمبر 2026، والذي مدّد نظام العقوبات على السودان لمدة شهر واحد فقط، أنه يعكس حالة الانقسام العميق داخل المجلس بشأن مستقبل العقوبات. فالجلسة لن تكون جلسة صدام حول توسيع الحظر، بل ستكون جلسة “تمرير تقني” لتمديد العقوبات القائمة. وهذا يعني أن واشنطن قررت الاحتفاظ بـ” اللغة الخشنة” مؤقتًا. فسحب الولايات المتحدة لمقترح توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان هو مؤشر مهم يكشف أن واشنطن قصدت هذا التراجع التكتيكي، الذي لا يعني أنها تخلت عن رؤيتها، لكنه يعكس حسابات سياسية أخرى. فالمسودة الجديدة التي ستُطرح للتصويت اليوم، والتي تمدد العقوبات الحالية على دارفور لمدة شهرين فقط، تكشف أن الولايات المتحدة فتحت نافذة سياسية مع البرهان، حتى لو حاول الجنرال نفي ذلك بخطاب سياسي مختلف . فلقاء البرهان بمسعد بولس في القاهرة لم يكن صدفة، خصوصًا أنه جاء قبل ساعات من تغيّر واضح في سلوك واشنطن داخل مجلس الأمن. هذا التزامن يفتح الباب لقراءة سياسية من زاوية ثانية تؤكد أن اللقاء لعب دورًا في إعادة صياغة موقف الولايات المتحدة، أو على الأقل دفعها إلى تبنّي تكتيك جديد. فأمريكا لا تسحب مسودة قرار جاهزة إلا إذا رأت أن الانتظار لشهرين قد يحقق مكاسب أكبر، أو أن الطرف المستهدف قدّم ما يكفي لتهدئة الضغط مؤقتًا. وهذا هو جوهر الضغط القانوني الذي تستخدمه واشنطن للحصول على شيء، وتتراجع عنه عندما تحصل عليه. إذن، ما هو المقابل الذي قدمه الجنرال؟ فأي تهليل من حكومة بورتسودان ودبلوماسيتها بأن الولايات المتحدة الأمريكية تراجعت، ما هو إلا “صفاقة سياسية ” لأن واشنطن لم تتراجع عن موقفها السياسي، لكنها تراجعت عن خطوتها الإجرائية في المجلس. وهذا يعني أن هناك “نافذة سياسية” فُتحت بالفعل. فالخطوات القانونية يتم تعليقها بانتظار ما سيحدث خلال الشهرين القادمين؛ فهي ليست مدة قرار، ولكنها قد تعني عمر المهلة التي منحتها أمريكا للبرهان. فأول ما قدّمه البرهان لواشنطن هو القبول بلقاء مبعوثها في القاهرة في توقيت حساس جدًا، سيما أنه جاء بعد توتر دبلوماسي تمثل في حرمانه من الدخول إلى أمريكا. هذا القبول بحد ذاته تزحزح واضح يؤكد أن له ما بعده، فالبرهان كان يتجنب اللقاءات المباشرة مع واشنطن منذ بداية الحرب. وسحب واشنطن مقترحًا كبيرًا مثل توسيع حظر السلاح، ثم تمديد العقوبات الفنية لشهرين، لن يتم من أجل الوقت التقني، بل من أجل اختبار سياسي. فهذه هي المهلة التي تعني أن واشنطن تمنح البرهان شهرين لترى إن كان سيغير سلوكه، وما مدى مصداقيته فيما تعهد به لمسعد بولس في القاهرة. لذلك، فإن الشهرين القادمين سيكونان أكثر الشهور أهمية في مسار الحرب في السودان.
طيف أخير: لا للحرب. وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم: “الدبلوماسية تمثل خط الدفاع الأول، ومعركة الكرامة هي معركة على الأرض، ومعركة في المحافل الإقليمية والدولية، وعلى المستويات الثنائية، وعلى المستوى الاقتصادي أيضًا.
ابحثوا معي عن دعم الحرب: هل ورد في أي منهج من مناهج الدبلوماسية؟”