د. الأمين بلال مختار october/8/2026 *alaminmukhtar@hotmail.com لم يأتِ حديث مني أركو مناوي عن الميليشيات من فراغ، ولم يكن صحوة ضمير متأخرة، بل كان صرخة مصالح. فبعد أربع سنوات من الحرب، وبعد أن كان شريكاً أصيلاً في مشروع عسكرة السودان وتفتيته، استيقظ مناوي ليكتشف أن البلاد امتلأت بالميليشيات.
مناوي، الذي اختار منذ اللحظة الأولى أن يصطف مع معسكر الحرب، مع حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، تلك الحكومة التي ولدت من رحم انقلاب 25 أكتوبر، عليه أن يتذكر الحقيقة التي يحاول الجميع القفز فوقها: هذه الحرب ليست حرباً عابرة، إنها الامتداد الطبيعي والمسلح لانقلاب 25 أكتوبر. انقلاب قام ضد الثورة، وضد قوى الثورة، واستهدف القوى المدنية تخويناً وتجريماً وتشريداً، ثم توج كل ذلك بهذه الحرب اللعينة.
مناوي كان تابعاً مخلصاً لهذا المعسكر، معسكر الثورة المضادة، ظناً منه أنه سيكون شريكاً في الغنيمة، لا وقوداً لها.
واليوم، بعد أربع سنوات من القتل والدمار، يخرج مناوي ليقول إن كل القوات الأخرى ميليشيات. وهو قول حق أريد به باطل. فهو يشير ضمناً إلى أن لعبة البرهان قد انكشفت. البرهان، الابن المدلل للكيزان، الذي يمارس نفس نهجهم بحذافيره، وينفذ سياستهم القديمة الجديدة: سياسة “فرق تسد”. منهج “أضرب هذا بهذا، وقرب هذا وأبعد ذاك”، واللعب على كل الحبال في آن واحد.
فما الذي يحدث الآن؟
فيما يسمى بـ “درع الغرب” أو “درع دارفور”، يجري تشكيل جديد من تحالفات قبلية وجهوية، بعضها كان حتى الأمس القريب يقاتل في صفوف الدعم السريع، واليوم يتم غسل يده وإعادة تدويره كميليشيا جديدة موالية لبورتسودان. وبنفس المنطق يتم تشكيل “درع الشمال” في الشمالية، وقوات في الإقليم الأوسط، وجيوش من الأسماء واللافتات، مع زعماء قبليين ومكونات جهوية وخطابات غبية ومسمومة.
إنها صناعة الميليشيا بامتياز، تكاثرها وتمددها وتنوعها وتعددها. هي نفس سياسة النظام البائد التي جعلت من السودان سوقاً مفتوحاً للجيوش الخاصة.
مناوي يعتقد أنه بما قدمه في هذه الحرب، من قتال في الداخل والخارج، يجب أن يكافأ بأكثر من منصب، يجب أن يكون حاكماً مطلقاً، وإلا فالتهديد جاهز: “سأتمرد”.
وهنا نسأل مناوي سؤالاً مباشراً وبسيطاً:
إذا كنت ترى اليوم أن كل هذه القوات هي مجرد ميليشيات، فماذا تكون أنت؟ هل أنت جيش نظامي؟ هل قواتك نظامية؟ أنت نفسك ميليشيا، نشأت وتسلحت وتمولت خارج النظم التي تتحدث عنها. فبأي منطق تدين الآخرين بما أنت غارق فيه؟
كان الأجدر بمناوي، بدلاً من هذا التباكي الانتهازي، أن يعترف بالحقيقة التي ظلت تنادي بها القوى المدنية وقوى الثورة منذ اليوم الأول: لا حل لهذا الخراب إلا بجيش مهني واحد، قومي، بعيد عن السياسة والتجارة والانقلابات، وحل وتسريح كل الميليشيات دون استثناء، بما فيها ميليشياته هو، وميليشيات البرهان،ومليشيات الكيزان؛ وميليشيات الدعم السريع، وكل دروع الشمال والغرب والشرق المصطنعة.
قوى الثورة قالتها منذ البداية: لا للحرب، لا للعنف، لا لحكم العسكر، ولا لعودة الكيزان بوجوه جديدة. هذه هي الرؤية الوحيدة التي يمكن أن تنقذ السودان من هذا المستنقع.
أما منطق مناوي والبرهان ومن شايعهم، منطق “أنا ميليشيا جيدة وهم ميليشيا سيئة”، فهو منطق لا يبني وطناً، بل يؤسس لحرب أبدية، كلما انتهت ميليشيا ولدت عشر.
لقد انقلب السحر على الساحر، ومناوي اليوم يشرب من نفس الكأس الذي سقى به غيره.ولايصح الا الصحيح وبس.