أعمدة ومقالات

عن أي هزيمة دبلوماسية يتحدثون ؟ واشنطن لم تغلق ملف السودان بعد؟

استدعاء العقوبات
الأمريكية: واهمٌ من يظن أن سقوط مشروع القرار يعني
نهاية المطاف.

( C )

بقلم السفير الصادق المقلي.

اولا عجبت لأمر هؤلاء القوم… دولة تتقدم هي نفسها بمشروع قرار لمجلس الأمن. فيتم تمريره بالإجماع.. ثم ياتي من أدمن التضليل و بيع الوهم لهذا الشعب الجريح،،، يصف ذلك بصفعة و هزيمة دبلوماسية!!!!!!!

من الأهمية بمكان تنبيه حسن طرحه وضياء الدين ومن لفّ لفّهما إلى أن الرهان على تعثر المشروع الأمريكي في مجلس الأمن، وتصويره باعتباره هزيمة دبلوماسية نهائية لواشنطن، يعكس قراءة متعجلة لا تستوعب طبيعة الأدوات التي تملكها الولايات المتحدة، ولا تدرك أن مشروع توسيع حظر السلاح ليس سوى جبهة واحدة من جبهات الضغط على السودان.
واشنطن نفسها طلبت التمديد التقني لشهرين، ووافق مجلس الأمن عليه بالإجماع. فكيف يصبح الملف، وفقاً لقراءة هؤلاء، منتهياً ومحسوماً، بينما المهلة الجديدة تتيح استمرار التفاوض، ومصير مشروع توسيع الحظر لم يُحسم بعد؟ إن تعثر التوافق على مشروع قرار لا يعني بالضرورة سقوطه نهائياً، ولا يعني أن الدولة التي تقدمت به قد استنفدت خياراتها أو تخلت عن أهدافها. الدبلوماسية ليست معركة تنتهي بمجرد تعثر جولة من الفاوضات، كما أن التمديد التقني ليس شهادة انتصار لهذا الطرف أو ذاك.
لكن ما يبدو أن هؤلاء يغفلونه تماماً هو أن أخطر ما يواجه السودان قد لا يكون محصوراً في مصير مشروع حظر السلاح، بل في العقوبات الأمريكية المرتبطة باتهام الحكومة السودانية باستخدام الأسلحة الكيميائية. فهذا مسار قانوني مستقل عن قرار مجلس الأمن، وتملك واشنطن بموجبه أدوات وطنية يمكن أن تستمر في استخدامها، أو أن توسع نطاقها، حتى إذا لم يمر مشروعها الأممي.
إن هذه العقوبات ليست مسألة رمزية، ولا مجرد ورقة في سجال دبلوماسي. فالإجراءات الأمريكية المرتبطة بقانون الرقابة على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب بها لعام 1991 قد تفرض قيوداً مؤثرة على المساعدات المالية غير الإنسانية، والصادرات والتراخيص التجارية، وبعض أوجه التعاون الاقتصادي. كما أن تداعياتها قد تتجاوز نطاق القيود المكتوبة، إذا دفعت المخاطر القانونية والمصرفية مؤسسات أجنبية إلى تقليص تعاملاتها مع السودان أو تجنبها.
وهنا ينبغي استحضار تجربة التسعينيات، حين أدرجت الولايات المتحدة السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993، ثم فرضت عقوبات اقتصادية وتجارية واسعة عام 1997. وقد أسهمت تلك الإجراءات، إلى جانب عوامل أخرى، في تعميق عزلة السودان المالية والتجارية والدولية، واستمرت آثارها سنوات طويلة. ولا يعني ذلك أن المسار القانوني الحالي مطابق لمسار الإرهاب، أو أن العقوبات الكيميائية ستؤدي حتماً إلى النتائج نفسها؛ لكن المقارنة تذكّرنا بأن العقوبات الأمريكية قد تتحول إلى عبء طويل الأمد، وأنı آثارها 3s8iz لا تنتهي بمجرد تعثر مشروع داخل مجلس الأمن.
فحتى لو سقط مشروع القرار الأمريكي في ديسمبر المقبل، فإن ذلك لن يلغي تلقائياً العقوبات الأمريكية القائمة، ولن يمنع واشنطن من فرض تدابير إضافية ضمن صلاحياتها القانونية، أو استهداف شبكات التمويل والإمداد، أو تشديد القيود على التعاملات التي تقع ضمن نطاق سلطتها. وقد يجد السودان نفسه أمام مسار من الضغوط الوطنية والدولية لا يقل خطورة عن الجدل الدائر حول توسيع حظر السلاح، وربما يتجاوز أثره العملي ما يتصوره بعض المعلقين.
وبعبارة أكثر مباشرة: إذا ظنّ هؤلاء أن سقوط مشروع القرار سيمنح السودان مخرجاً من دائرة الضغط الأمريكي، فهم يخلطون بين مصير أداة واحدة ومصير السياسة الأمريكية بأكملها. فتعثر المسار الأممي لا يطوي ملف الأسلحة الكيميائية، ولا يمحو الأساس القانوني للعقوبات المرتبطة به، ولا يضمن عودة السودان إلى التعاملات المالية والتجارية الطبيعية.
ومن هنا تأتي أهمية العقلانية والبراغماتية. فالسودان، الذي أنهكته الحرب والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، لا يحتمل رهانات سياسية مبنية على تمنّي إخفاق واشنطن، ولا خطاباً يوحي بأن أي تعثر أمريكي يعني انتصاراً سودانياً تلقائياً. كما أن الرهان على الحسم العسكري، حتى لو تحقق ميدانياً، لا يشكل ضمانة لرفع العقوبات أو إنهاء العزلة أو استعادة الثقة الدولية؛ فالمسارات العسكرية والسياسية والقانونية والاقتصادية ليست مساراً واحداً، ولا تنتهي جميعها بالضرورة عند النتيجة نفسها.
قد يسقط مشروع في مجلس الأمن، لكن السودان يظل عالقاً في أزماته ما لم تتغير الظروف التي أنتجت الحرب والعزلة والضغوط الخارجية.
ولا يشفع للبلاد نجاح الرهان على الحسم العسكري إذا كانت تبعات العقوبات مستمرة، وإذا لم تتوافر تسوية سياسية تعيد بناء مؤسسات الدولة وتفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي واستعادة العلاقات الطبيعية.
المطلوب ليس التسليم بكل ما تطرحه واشنطن، ولا اعتبار اتهاماتها حقائق قضائية نهائية من دون فحص الأدلة، بل فهم موازين القوة والأدوات القانونية المتاحة لها، والتعامل معها بواقعية. فالاعتراض على سياسة أمريكية شيء، والتقليل من آثارها المحتملة شيء آخر تماماً.
الخلاصة أن سقوط مشروع القرار، إن حدث، لن يكون نهاية المطاف. وربما يكون السؤال الأهم: هل يملك السودان استراتيجية سياسية ودبلوماسية للتعامل مع تداعيات العقوبات، ومعالجة أسبابها، وتخفيف آثارها على المواطنين، أم سيكتفي البعض بالاحتفال بتعثر مشروع أممي بينما تتواصل الضغوط من مسارات أخرى؟
السودان يحتاج إلى ما هو أبعد من انتصار في سجال إعلامي أو رهان على إخفاق خصم خارجي. إنه يحتاج إلى عقلانية تحمي مصالحه، وبراغماتية تقلل كلفة الحرب والعزلة، ومسار سياسي يضع مصلحة البلاد ومواطنيها فوق حسابات المكابرة والتشفي.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة