أعمدة ومقالات

المصباح يحذّر.. مَن يملك قرار التفاوض؟

أحمد عثمان جبريل

يكتب

❝عندما يصبح السلاح شرطاً للجلوس إلى الطاولة، لا يعود السؤال مَن يملك القوة وحدها.. بل مَن يملك القرار الذي يوقف نزيفها، ومَن يدفع ثمن الانتظار حتى يكتمل ميزانها؟❞

تقول الحكاية: في أكتوبر 1962، وضع العالم إصبعه على زناد الكارثة.. صواريخ سوفيتية في كوبا، وصواريخ أمريكية في تركيا، ورئيسان يعرف كل منهما أن ضغطةً واحدة قد تجعل الانتصار اسماً آخر للهزيمة. فرض جون كينيدي حصاراً بحرياً على كوبا، وارتفعت المواجهة حتى صار الخطأ في الحساب أخطر من حسابات الخصم.. كان خروتشوف يملك الصواريخ، وكان كينيدي يملك صواريخ أخرى، لكن أياً منهما لم يكن يملك ضمانة النجاة من حرب نووية.

وفي اللحظة التي بدا فيها أن القوة تستدعي مزيداً من القوة، تحركت الاتصالات خلف الستار. انتهت المواجهة باتفاق على سحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، وتعهد أمريكي بعدم غزو الجزيرة، وتفاهم سري على سحب الصواريخ الأمريكية من تركيا لاحقاً. لم تكن التسوية إعلاناً عن اختفاء القوة، بل اعترافاً بأن استمرار التصعيد قد يجعل كلفته أكبر من أي مكسب.. هكذا أنقذ القرار ما عجز السلاح وحده عن ضمانه.

من كوبا إلى السودان.. تتغير الجغرافيا، وتبقى المعضلة: “من يملك القوة، ومن يملك قرار الخروج من فخها؟”.

(1)

في العلمين، جلس البرهان إلى مائدة استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحضور مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية.. جلسة يبدو أنها لم تكن لتناول الطعام فحسب..فقد أكد بولس عقب المائدة، استمرار المساعي الرامية إلى إنهاء الحرب وفتح طريق للحل السياسي.. وفي مروي، وقبل أن تصل تغريدة بولس مداها، جاء خطاب البرهان متمسكاً بالخيار العسكري ورافضاً التفاوض مع الدعم السريع.. رسالتان في يوم واحد، وبينهما سؤال لا تجيب عنه الصور: (كيف يتحرك المسار الدبلوماسي فيما يرفع الخطاب الداخلي سقف المواجهة؟) .. لا نملك دليلاً يثبت اتفاقاً سرياً جرى على المائدة، ولا يصح أن نحول التباين الظاهر إلى انقسام مؤكد.. لكننا نملك حق السؤال:( هل تتقدم السياسة على إيقاع الحرب، أم تنتظر حتى تمنحها الحرب الإذن؟)..

(2)

وريثما هدأ النقاش حول التصريحين أطل المصباح أبو زيد طلحة، قائد كتيبة البراء، بتغريدة تتحدث عن المسيّرات، والتشويش الإلكتروني، وكلفة التصدي، والتفوق في التكنولوجيا العسكرية.. قبل أن يوجه تحذيره إلى (اللاهثون وراء التفاوض) داخل (حكومتنا الرشيدة) داعياً إلى الاستعداد قبل القفز إلى البحر من دون تعلم السباحة.. هنا انتقل الكلام من وصف المعركة إلى مساءلة توقيت التفاوض.. فهل يحذّر من التفاوض، أم من الذهاب إليه بأوراق ضعيفة؟ الفارق كبير. غير أن العبارة، سواء قصدت رفض المفاوضات أو التشدد في شروطها، تفتح باباً لا تغلقه التغريدة: “من يحدد لحظة اكتمال الاستعداد؟ ومن يقرر أن أوراق القوة بلغت الحد الذي يسمح بالجلوس إلى الطاولة؟”.

(3)

لكن يا لهول المفارقة.. كان في الصورة كأس بيبسي، فوجدت التعليقات، وفق رصدنا، طريقها إلى السكر ومخاطره على صحة المصباح، بينما بقيت الصواريخ والتكنولوجيا في مقعد الانتظار! ولا ينبغي أن يصبح جسد الرجل مادة للسخرية؛ فقد يكون التحذير الصحي تعاطفاً صادقاً.. إنما المفارقة أن منشوراً يريد لفت الأنظار إلى ميزان القوة، انتهى جزء واسع من النقاش حوله إلى الكأس التي في اليد”.. كأن الصاروخ غادر الصورة، وبقي المشروب شاهداً عليها.. ولا نستطيع أن نستنتج من ذلك قبول الناس بالتفاوض أو رفضهم؛ فالتعليقات ليست استطلاعاً للرأي العام.. لكن الكأس كشفت مفارقة تستحق الابتسام والتأمل:” أحياناً يشتبك الناس مع ما تلتقطه أعينهم، فيما يظل السؤال الأخطر جالساً خلف الصورة، لا يجد مَن يواجهه”.

(4)

أما السؤال الأخطر فهو أن الاستعداد العسكري، مهما بلغت ضرورته، قد يتحول إلى باب لا نهاية له.. فكل سلاح يستدعي سلاحاً، وكل تفوق يفتح شهية التفوق المقابل، وكل موعد مؤجل يمنح الحرب وقتاً إضافياً لتأكل ما تبقى من البلاد.. نعم، لا يُطلب من طرف أن يدخل مفاوضات بلا ضمانات، أو أن يوقّع اتفاقاً لا يصون الحقوق ولا يحمي المدنيين.. لكن ثمة فرقاً بين إعداد أوراق تفاوض قوية، وانتظار تفوق كامل قد لا يتحقق أبداً.. الصواريخ قد ترفع كلفة الاقتراب من الخصم، لكنها لا تكتب وحدها شروط السلام؛ والتكنولوجيا قد تغيّر ميدان المعركة، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي يطرحه الناس كل يوم: متى تنتهي هذه الحرب؟

(5)

وهنا يصبح السؤال عن مصادر السلاح واجباً مقدساً:” إذا كان ميزان القوة يحتاج إلى صواريخ متقدمة وتقنيات لمواجهة المسيّرات، فمن أين تأتي هذه الإمكانات؟ مَن يمولها؟ ومَن يملك قرار استخدامها؟”.. فالحظر الأممي على السلاح في السودان تتركز تدابيره في دارفور، وليس حظراً شاملاً على جميع أنحاء البلاد، مع اشتراطات تتصل بإمدادات السلاح إلى السودان.. وقد أثارت التقارير الدولية مخاوف بشأن تدفق الأسلحة إلى أطراف الحرب رغم القيود القائمة.. ولذلك نطرح السؤال لأن التسليح حين يصبح شرطاً للتفاوض، تصبح الجهات الممولة والموردة، ومصالحها، وحساباتها، جزءاً من معادلة الحرب والسلام.

(6)

تأمل المشهد: دبلوماسية تتحرك في الخارج، وخطاب عسكري يرفع سقف القتال في الداخل، وصوت من داخل المعسكر يحذّر من الذهاب إلى التفاوض قبل الاستعداد.. هل نحن أمام اختلاف في الرسائل، أم في الأولويات، أم في تقدير اللحظة المناسبة؟ لا تكفي هذه المشاهد للحكم بوجود انقسام مؤسسي، لكنها تفرض سؤالاً عن حدود القرار.. فللداخل حديث، وللخارج حديث.. غير أن الدولة لا تستطيع أن تترك شعبها أسيراً لرسائل متباينة إلى ما لا نهاية. إذا كان التفاوض مطروحاً دولياً، فما الشروط التي تقبله القيادة؟ وإذا كان الاستعداد العسكري أولوية، فما الغاية السياسية التي يخدمها؟ ومن يعلن أن لحظة الانتقال من البندقية إلى الطاولة قد حانت؟

(7)

هنا يعود درس كوبا، ليس لأنه وصفة جاهزة للسودان، بل تذكيراً بأن القوة حين تنفصل عن القرار قد تقود أصحابها إلى حافة لا يريدون بلوغها.. لذا المطلوب ليس تفاوضاً بلا أوراق، ولا سلاماً يترك أسباب الحرب قائمة.. المطلوب فتح طريق إلى تسوية قابلة للحياة، لا مبرراً لإطالة انتظارهم.. فالسودانيون لا يعيشون داخل غرف العمليات، ولا يملكون خيار تأجيل أعمارهم حتى يكتمل ميزان لا يعرف أحد موعد اكتماله.. ومَن يطلب منهم الصبر باسم النصر، عليه أن يجيب:( أي نصر، وبأي كلفة، ومتى؟).. فالحرب التي تستهلك شعبها كي تمنح قادتها أوراقاً إضافية، قد تنتهي وقد خسرت البلاد أكثر مما يمكن لأي اتفاق أن يعيده.

ما نود قوله هنا: من مائدة العلمين إلى مروي، ومن تحذير المصباح إلى كأس البيبسي، تتزاحم المشاهد ويبقى القرار غائباً عن الإجابة الواضحة.. مَن يحدد موعد التفاوض؟ مَن يضع شروطه؟ مَن يملك السلاح الذي يريد أن يحمله إلى الطاولة؟ ومَن يدفع ثمن الانتظار حتى يكتمل ميزان القوة؟ تلك أسئلة لا تحسمها الصور ولا التغريدات، بل الوقائع والقرارات المعلنة والمسؤولية أمام الناس.. فالصواريخ قد تمنح أصحابها قوةً تفاوضية، لكنها لا تمنحهم حقاً مفتوحاً في أعمار الآخرين.

ومضة..

في كوبا، لم يكن العالم بحاجة إلى صاروخ إضافي بقدر حاجته إلى قرار يمنع الصواريخ الموجودة من إشعال حرب لا يمكن احتواء نتائجها.. وفي السودان، ليست البطولة في أن نحصي ما تبقى من أسلحة، بل أن نعرف مَن يستطيع منع ما تبقى من البلاد من الضياع.

توقيع أفق الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول: حين يصبح ميزان القوة حجةً لتأجيل السلام، يتحول الانتظار إلى سلاح.. لكن الذين يدفعون ثمنه لا يجلسون إلى طاولة القرار.
إنا لله ياخ..
الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة