أعمدة ومقالات

مجزرة شمال الوادي: السبت الدامي.. عندما يقصف الطيران المصري أبناءنا وحكومة البرهان تتفرج

د. الأمين بلال مختار

*alaminmukhtar@hotmail.com

حسبنا الله ونعم الوكيل.. حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من قصف، وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من صمت، وتستر، وتفرج على دماء شعبه وهي تراق في صحراء السودان.

الصور التي ترونها أمامكم ليست مولدة بالذكاء الاصطناعي، وليست من أرشيف حرب قديمة. هذه الصورة التقطت يوم أمس السبت 10 أكتوبر 2026، في مناجم شمال الوادي، على بعد 20 كلم فقط داخل التراب السوداني، بولاية نهر النيل / البحر الأحمر.

عشرات الجثث، أكثر من 200 جثة، ملفوفة في شوالات خيش وجوالات بلاستيك ممزقة ومخضبة بالدماء، مرمية في العراء تحت شمس الصحراء اللاهبة. هذه ليست جثث مقاتلين، هذه جثث منقبين سودانيين بسطاء، شباب في مقتبل العمر، تركوا الجزيرة الخرطوم ودارفور وكردفان والخ بعد أن دمرت الحرب بيوتهم، وذهبوا إلى الصحراء يحفرون الأرض بأظافرهم بحثاً عن جرام ذهب يطعم أطفالهم.

التفاصيل الكاملة لمجزرة السبت

بحسب شهادات الناجين الذين وصلوا مشياً على الأقدام إلى منجم الأنصاري، وبحسب ما وثقته منظمات مناصرة للضحايا دارفور وشهود عيان من المنقبين أنفسهم:

عند الساعة الحادية عشرة صباحاً من يوم السبت، ظهرت في سماء جبل العكاشة ثلاث طائرات حربية، طراز أنتونوف، يرجح بشكل كبير أنها تتبع لسلاح الجو المصري. لم تكن طلعات استطلاعية، بل كانت طلعات قتالية محملة بالموت.

نفذت الطائرات سبع غارات جوية متتالية، ألقت ما لا يقل عن تسع قنابل ثقيلة، استهدفت بشكل مباشر ودقيق منجمي الجبل الأحمر ومنجم الشركة، وهي آبار مكتظة يعمل بها أكثر من 12 ألف منقب.

شهود العيان أكدوا أن القصف كان متعمداً لتدمير الآبار وقتل من بداخلها. مقاطع الفيديو التي سربها المنقبون تظهر لحظة انفجار القنابل وتناثر الأشلاء حول الآبار.

ولم ينته المشهد عند القصف الجوي، بل تبعه توغل بري سافر، قوة عسكرية تقدر بـ 20 سيارة قتالية دفع رباعي، جنودها يرتدون الزي العسكري المصري، دخلت المناجم بالقوة، أطلقت النار في الهواء، ونهبت ما استطاعت وشردت الآلاف من الناجين.

الحصيلة الأولية التي تم توثيقها:

أكثر من 200 شهيد تم جمعهم ولفهم كما في الصور المتداولة.

أكثر من 120 جريحاً، كثير منهم إصاباتهم خطيرة وبتر أطراف وحروق، يرقدون الآن في العراء في الطريق الوعر بين شمال الوادي والأنصاري، بلا ماء، بلا دواء، بلا سيارات إسعاف.

أكثر من 10 آلاف مشرد فروا إلى عطبرة حفاة عراة.

ليست المرة الأولى.. والبرهان صامت

وهنا بيت القصيد وموطن العار. الحقوقيون وأبناء المنطقة يؤكدون أن هذه ليست المرة الأولى التي يقصف فيها الطيران المصري منقبين سودانيين داخل الحدود السودانية، بل هي المرة الثالثة خلال عامين.

في كل مرة، نفس السيناريو: قصف، قتل، توغل، ثم صمت مطبق ومخز من حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، حكومة الجنرال عبد الفتاح البرهان.

أين السيادة التي تتشدقون بها؟ أين الجيش الذي مهمته حماية حدود الوطن؟ أين وزارة الخارجية التي من المفترض أن تستدعي السفير المصري وتقدم احتجاجاً رسمياً لمجلس الأمن؟

حكومة البرهان مشغولة بعقد الصفقات وتقسيم كيكة السلطة في بورتسودان، مشغولة بمحاربة شعبها في دارفور والخرطوم، لكنها عاجزة تماماً عن حماية شعبها من عدوان أجنبي واضح.

إن صمت الحكومة الإنقلابية على قصف مواطنيها داخل أرضها هو خيانة عظمى للشعب والوطن. إن التستر على انتهاك سيادة السودان وتوغل قوة أجنبية بـ 20 سيارة قتالية داخل أراضينا هو عمالة لا تغتفر.

لو كان هؤلاء القتلى من جنسية أخرى لقامت الدنيا ولم تقعد، لكن لأنهم سودانيون بسطاء ، من أبناء الغلابة والكادحين، فدمهم عند حكومة البرهان بلا ثمن.

حكومة لا تستطيع حماية منقبيها في الصحراء، كيف ستحمي الوطن كله؟

رسالتنا

نحن لا ندعو للحرب علي مصر ولا غيرها ، لكن عليها ان تحترم شعبنا وتتخلي عن التسلط وإهدار مواردنا وأهمها:الموارد البشرية ؛الدم السوداني ليس للبيع والمتاجرة بين المستبدين بالشعوب. ، ومن هذا المنطلق ندعو للكرامة والسيادة ورد الحقوق بالقانون ويجب ان نوصل مظلمتنا الي مجلس الامن وكافة المنظمات العدلية الإقليمية والدولية.

نطالب بالآتي:

على حكومة البرهان ومجلس السيادة الخروج فوراً ببيان رسمي يوضح ما حدث في شمال الوادي ويتحمل المسؤولية.

فتح تحقيق دولي مستقل بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وتوثيق كل جثمان بالاسم والصورة قبل الدفن.

تحميل الحكومة المصرية المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه المجزرة والمطالبة باعتذار رسمي وتعويض عادل لأسر الشهداء والجرحى.

على المنظمات الحقوقية السودانية والدولية التحرك فوراً لإغاثة الجرحى في الصحراء.

دماء أهلنا في شمال الوادي لن تذهب هدراً، والتاريخ سيسجل من قصف، ومن صمت وتواطأ.

الرحمة والمغفرة لشهدائنا، والشفاء العاجل لجرحانا، والخزي والعار لكل من خان سيادة السودان.ولايصح الا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة