أعمدة ومقالات

تفنيد خطاب التبرير.. قراءة في محاولات التستر على مجزرة شمال الوادي

د. الأمين بلال مختار
october/12/2026
*alaminmukhtar@hotmail.com

طالعنا في الساعات الماضية خطاباً منتشراً يحاول تبرير الصمت المخزي لحكومة الأمر الواقع في بورتسودان على مجزرة مكتملة الأركان ارتكبت بحق أكثر من 200 من أبناء الشعب السوداني داخل حدود بلادهم يوم أمس الأول السبت 10 أكتوبر في مناجم شمال الوادي.

خطاب يبدأ بعبارة “الضربة مشينة ومستنكرة” لذر الرماد في العيون، ثم يكرس كل حرف فيه لتبرئة المعتدي، وتخوين الضحايا، وشيطنة كل من يطالب بالتحقيق وكشف الحقيقة.

دعونا نفكك هذا الخطاب المسموم:

أولاً: التشكيك في الجريمة نفسها.. حيلة قديمة للهروب

يروج هذا الخطاب لسؤال خبيث: “هل الحادثة في داخل حدود السودان… ام الحدود المصرية ام المتنازع عليها كحلايب وشلاتين؟”

هذا هو قمة التدليس. المجزرة وقعت في منجمي الجبل الأحمر والشركة بمنطقة شمال الوادي، وهي تبعد 20 كلم داخل الحدود السودانية بولاية نهر النيل، منطقة معلومة ومأهولة بأكثر من 12 ألف منقب سوداني، وليست في حلايب ولا شلاتين. شهود العيان والمقاطع المصورة وصور الجثث الملفوفة في الجوالات البلاستيكية كلها تثبت ذلك.

محاولة جر الحادثة إلى مربع “المناطق المتنازع عليها” هي محاولة رخيصة لتوفير غطاء قانوني للقصف، وحتى لو كانت في حلايب، فحلايب سودانية، وقصف مواطن سوداني فيها هو اعتداء على سيادتنا.

ثانياً: نظرية المؤامرة.. “جهة أخرى تريد فتح جبهة”

يسأل مروجو هذا الخطاب: “هل مصر هي التي أقدمت عليه؟ ام جهة أخرى أرادت فتح جبهة معركة أخرى؟”

هذا منطق حكومة تتهرب من مسؤوليتها. الشهود أكدوا أن الطائرات من طراز أنتونوف، وأن القوة البرية التي توغلت بعد القصف بـ 20 سيارة قتالية كانت ترتدي الزي المصري. لماذا يريدون أن تصبح القضية مجهولة ضد “جهة أخرى”؟ لأنهم لا يملكون الشجاعة لمواجهة الحليف.

إن واجب الدولة ليس تحليل النوايا في فيسبوك، واجبها هو حماية حدودها ومواطنيها أولاً، ثم التحقيق. أين بيان وزارة الخارجية؟ أين استدعاء السفير؟ لا شيء.

ثالثاً: فزاعة “فتح جبهة جديدة” لتبرير الصمت

هذه هي الحجة الأخطر التي يروج لها أبواق التبرير: “هل تريدون أن ترد الحكومة بضربة مماثلة وفتح جبهة قتال جديدة والجيش يقود معارك في دارفور؟”

من طالب بفتح جبهة حرب؟ نحن طالبنا ببيان إدانة. طالبنا بتحقيق مستقل. طالبنا بإجلاء الجرحى الذين يزحفون في الصحراء منذ الأمس من شمال الوادي إلى منجم الأنصاري بلا ماء ولا دواء. طالبنا بكرامة.

تحويل المطالبة بالسيادة إلى دعوة للحرب هو تزوير متعمد لإرادة الشعب. الحكومات المحترمة تدين وتحتفظ بحقها القانوني والدبلوماسي، ولا تصمت كأن شيئاً لم يكن. الصمت ليس حكمة، الصمت خيانة وعار.

حكومة تقصف مواطنيها بالطيران كل يوم، أصبحت فجأة حكيمة وتخشى التصعيد عندما يتعلق الأمر بقصف أجنبي؟

رابعاً: شماعة “قحت” والعمالة.. الهروب إلى الأمام

كالعادة، عندما يفشلون في تبرير فشلهم، يخرجون كرت “قحت” و “الامارات”. يقولون إن من يطالب بالتحقيق في المجزرة هو يريد “كسر الجيش” وينفذ أجندة خارجية.

الدماء التي سالت في شمال الوادي ليست دماء حزب ولا حركة، هذه دماء أبناء الشعب السوداني البسطاء، منقبين نزحوا من جحيم الحرب التي أشعلت في الخرطوم ودارفور وذهبوا إلى الصحراء يحفرون الأرض بأظافرهم بحثاً عن لقمة عيش.

ربط أي مطالبة حقوقية بقحت هو محاولة بائسة لإسكات الشارع. الشعب السوداني لم يعد تنطلي عليه هذه الشعارات. نحن نبكي على دماء أريقت، وأنتم تبكون على كراسيكم في بورتسودان.

الخلاصة:

هذا الخطاب التبريري هو النموذج الصارخ لخطاب الدولة الفاشلة: تشكيك في الضحية، تبرئة للمعتدي، تخوين للمطالب بالعدالة، وتقديس للصمت.

لو كانت حكومة الأمر الواقع تملك ذرة من المسؤولية، لخرجت ببيان، ولأرسلت طائرات إسعاف لجرحى الأنصاري، ولطالبت بتعويض أسر الشهداء وفتحت تحقيقاً دولياً.

لكنها اختارت الصمت. واختار أبواقها تبرير الصمت. والتاريخ لا ينسى من قصف ومن برر ومن صمت.

الرحمة والمغفرة لشهداء شمال الوادي، والشفاء العاجل لجرحانا.ولايصح الا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة