أعمدة ومقالات

بين العقوبات و سردية منع انتصار الجيش..حين تتحول الفرضية الي حكم ..

بقلم السفير الصادق المقلي

( B )

إذا كانت الرباعية تضم الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية، فمن المشروع تمامًا التساؤل: هل من المنطقي اختزال موقف الرباعية كلها في مصالح الإمارات وحدها؟

هذا لا يعني أن الإمارات لا تملك مصالح وأهدافًا في السودان، ولا يعني أن الاتهامات الموجهة إليها يجب تجاهلها. لكنه يعني أن إثبات النفوذ الإماراتي شيء، وإثبات أن كل التحرك الدولي والإقليمي صُمم لخدمة الأجندة الإماراتية شيء.!
فالقوى الدولية قد ترى أن الحرب الطويلة تهدد الدولة السودانية، وتزيد الكلفة الإنسانية، وتوسع دائرة النزوح واللجوء، وتخلق بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا.
لكن هذا لا يساوي بالضرورة القول إن هذه القوى تريد منع الجيش من الانتصار تحديدًا لصالح الدعم السريع.
هناك فرق كبير بين الموقفين.
الأول يقول: “نريد تسوية سياسية بدل الحسم العسكري.”
أما الثاني فيقول: “نريد منع الجيش من الانتصار حتى نعيد الدعم السريع إلى المعادلة.”
الأول موقف سياسي يمكن أن تتبناه دول عديدة دون أن تكون منحازة عسكريًا لأي طرف. أما الثاني فهو اتهام محدد يحتاج إلى إثبات.
وهنا تحديدًا يقع الخلط في السردية التي نناقشها: يتم الانتقال من حقيقة وجود ضغط دولي من أجل وقف الحرب إلى استنتاج أن الهدف من هذا الضغط هو حماية الدعم السريع سياسيًا وعسكريًا.
لكن وجود النتيجة الأولى لا يثبت النتيجة الثانية.
أين الدليل على أن العقوبات تستهدف وقف انتصارات الجيش؟
هل استهدفت العقوبات الجيش باعتباره مؤسسة عسكرية، أم استهدفت أفرادًا أو كيانات مرتبطة بانتهاكات محددة؟
هل توجد وثائق أو تصريحات رسمية تربط العقوبات بهدف وقف تقدم الجيش ميدانيًا؟
هل توجد أدلة على أن العقوبات جزء من خطة لإعادة الدعم السريع إلى المشهد السياسي؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلات شكلية. إنها الفارق بين التحليل السياسي والسردية السياسية.
فالتحليل لا يكتفي بتركيب النوايا؛ بل يربط بين الوقائع والأدلة والاستنتاجات.

هناك سؤال آخر لا يمكن تجاوزه.
إذا كان المجتمع الدولي يسعى إلى منع الجيش من الانتصار، فهل يعني ذلك أنه يريد بقاء الدعم السريع كقوة عسكرية وسياسية؟
وإذا كان الجواب نعم، فما الدليل؟

ثم ما موقف المبادرات الدولية والإقليمية السابقة من مستقبل الدعم السريع؟
لقد ظلت مسألة إنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة، وترتيبات القطاع الأمني والعسكري، والقضايا المتعلقة بمستقبل القوات المسلحة والقوى المسلحة الأخرى، حاضرة في معظم مسارات التفاوض.
لذلك فإن القول إن الهدف الأساسي هو “شرعنة وجود المليشيا” يحتاج إلى تفكيك أكثر دقة.
سيما و أن الولايات المتحدة الأمريكية في آخر خطوات التصعيد في ملف الحرب و السلام قدحت في شرعية الأطراف المتقاتلة .
فضلا عن الرباعية . المبادرة الأمريكية تنص علي احد محاورها خروج القوات المتقاتلة من المشهد السياسي..

فالجزم علي إن المجتمع الدولي يعمل أساسًا من أجل إعادة شرعنة الدعم السريع هو تجاوز لما تسمح به الأدلة ما لم تُقدم قرائن واضحة على ذلك.

. السياسة الدولية لا تُقرأ بالنوايا وحدها
في القضايا المعقدة، يمكن لأي شخص تقريبًا أن يصنع تفسيرًا يبدو متماسكًا إذا بدأ من النتيجة التي يريد إثباتها.
لكن السؤال الحقيقي: أيها تؤيده الوقائع أكثر؟
وهنا تصبح مهمة الصحفي والمحلل السياسي أكثر صعوبة من مجرد سرد موقف سياسي مقنع.
فالصحفي المحترف لا يفترض أن النتيجة التي يراها في ذهنه هي بالضرورة الحقيقة، ولا ينسب إلى الدول نواياها النهائية من دون أدلة، ولا يحول الاحتمال إلى يقين.
بل يقول: هذه الوقائع، وهذه المؤشرات، ومن بينها يمكن أن نستنتج كذا، مع بقاء احتمالات أخرى قائمة.

الخلاصة..

المشكلة في هذا النوع من الطرح ليست في القول إن للولايات المتحدة أو الإمارات أو مصر أو السعودية مصالح في السودان. فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية.
وليست المشكلة أيضًا في القول إن بعض القوى قد لا ترغب في حسم عسكري كامل للحرب.
المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المقدمات إلى نتيجة قطعية تقول إن العقوبات والضغوط الدولية هدفها الأساسي منع انتصار الجيش، وحماية الدعم السريع، وإعادة شرعنته سياسيًا، وتمكين حلفائه من العودة إلى المعادلة.
هذه ليست حقيقة تثبت بمجرد وجود العقوبات أو المبادرات الدولية. إنها فرضية كبيرة تحتاج إلى أدلة كبيرة.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هذا الطرح ليس: “هل أنت مع الجيش أم ضد الجيش؟”، ولا: “هل أنت مع الدعم السريع أم ضده؟”
السؤال الأهم هو:
أين الدليل على أن المجتمع الدولي، أو الأطراف النافذة فيه، فرضت العقوبات والضغوط الحالية تحديدًا لكي تمنع الجيش من الانتصار وتعيد الدعم السريع إلى المعادلة؟
فإذا وُجدت الأدلة، فليُعرض بعضها بوضوح، وعندها يصبح من حق القارئ أن يناقش الاستنتاج.
أما أن نبدأ من نتيجة سياسية، ثم نعيد ترتيب الأحداث والعقوبات والمبادرات والتصريحات بحيث تؤدي كلها إليها، فذلك لا يكون تحليلًا بقدر ما يكون سردية سياسية مكتملة سلفًا تبحث عن الوقائع التي تؤيدها.
وفي حرب بهذا التعقيد، يحتاج السودان إلى قدر أكبر من التدقيق في الوقائع، لا إلى مزيد من اليقين في قراءة النوايا.
والاختلاف مع الجيش أو الدعم السريع أو القوى السياسية حق مشروع، لكن الانحياز السياسي لا ينبغي أن يحل محل المنهج التحليلي، كما أن نقد موقف المجتمع الدولي لا يصبح أكثر إقناعًا بمجرد اتهامه بأنه يعمل لمصلحة طرف واحد.
في النهاية، قد يكون المجتمع الدولي مخطئًا، وقد تكون بعض دوله منحازة، وقد تكون لبعضها مصالح تتعارض مع مصالح السودان. كل ذلك ممكن.
لكن بين “هذا ممكن” و”هذا هو الهدف الأساسي” مسافة اسمها: الدليل.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة