المأساة ليست في وجود سلطة مستبدة، فالاستبداد قديم قدم الدولة، المأساة الحقيقية في جيش المبررين وصناع التضليل الذين يحيطون به. هؤلاء هم خط الدفاع الأول عن العسكرة والاستبداد، ومهمتهم ليست الدفاع عن فكرة، بل تزوير الوعي.
كلما انكشف فسادٌ كبير، وكلما سقط ضحايا بسبب القمع والإهمال، خرجت نفس الأسطوانة المشروخة: لا تثيروا الفتنة، لا تتحدثوا عن الموت، لا تنشروا غسيل الفساد، الوطن مستهدف، الوقت غير مناسب. وهي تبريرات فطيرة لا تنطلي إلا على منتفع أو خائف.
لماذا يمنعون تناول الموت والفساد؟
لسبب بسيط ومباشر:
. الحديث عن الموت يكشف طبيعة السلطة: السلطة التي تقتل شعبها لا يمكن أن تكون سلطة وطنية. لذلك يجب تحويل القتيل من شهيد إلى مجرم، ومن ضحية إلى متآمر.
. التهرب من المسؤولية هو جوهر العقيدة: في عقلية الاستبداد، الحاكم لا يُسأل، والعسكري لا يُحاسب، والمسؤول لا يُقال. كل الكوارث تبرر بـ “المؤامرة الخارجية” و “الطابور الخامس”. لا يوجد اعتراف، لا يوجد اعتذار، لا يوجد إصلاح.
سلطات الاستبداد والعسكرة تريد مواطناً بلا ذاكرة وبلا لسان. تريده أن يرى الدم ويسميه ماء، ويرى السرقة ويسميها تنمية. تريد منه أن يقدس البدلة العسكرية أكثر من قدسية الدم الإنساني.
وهنا الحقيقة الساطعة التي لا يمكن القفز عليها: العسكر والانقلابيون لا يمكن أن يكون همهم الوطن والمواطن. فاقد الشيء لا يعطيه. من انقلب على إرادة الشعب بالدبابة لا يمكن أن يبني ديمقراطية، ومن احتكر السلاح لقتل أبناء وطنه لا يمكن أن يحمي حدوده، ومن بنى ثروته من اقتصاد الظل وتهريب ذهب البلاد لا يمكن أن يكون حريصاً على معيشة المواطن.
همهم الأول والأخير هو بقاء سلطتهم، وحماية امتيازاتهم، وتأبيد سيطرتهم. الوطن عندهم غنيمة، والمواطن عندهم مجرد رقم في سجل الطاعة.
لكن الحقيقة التي يحاول دعاة التضليل طمسها هي أن السكوت لم يعد يحمي أحداً. السكوت عن الموت يجعل الجميع مشروع قتيل قادم، والسكوت عن الفساد يجعل الجميع مشروع جائع قادم.
الوطن لا يُبنى بمنع الكلام، بل بمحاسبة المفسد والقاتل. ولا استقرار بدون عدالة، ولا عدالة بدون كشف الحقيقة كاملة، مهما كانت موجعة.
انتهى زمن التبريرات الفطيرة. ولا يصح إلا الصحيح وبس.